أجرت الحوار : سحر بنور *
في ظل تفاقم الأزمة الانسانية في غزة تنامت الحركات المساندة والداعمة في كامل أنحاء العالم وتطورت المبادرات خاصة لكسر الحصار على ما يعرف بأسطول الصمود. ولعل ما شهدته بلادنا من حراك مواطني وتضامن شعبي لدعم الاسطول المنطلق من تونس نحو الأراضي الفلسطينية وما ف بالقافلة من مخاطر أثناء وصولها الى غزة وما تعرض له المشاركون فيها من ضغوطات وهرسلة وحتى اعتداءات من أجهزة الكيان المحتل من أكثر المواضيع المثيرة للاهتمام. في هذا الحوار مع عضو تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين وائل نوار نستطلع العديد من الكواليس الخاصة بهذا الاسطول.
لو تحدثنا بداية عن تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين ؟
لقد تم احداث التنسيقية قبل أحداث 7 أكتوبر 2023 حيث يعود تأسيسها الى سنة 2017. ولكن الدور الأساسي الذي لعبته واكتشفه التونسيين كان بعد عملية «طوفان الأقصى. نحن مجموعة تضم جميع الأعمار وخصوصا الشباب. تجمعنا تصورات مختلفة وتحدث بيننا بعض الاختلافات احيانا ولكن دعمنا للمقاومة يوحّدنا ونظرتنا المساندة للقضية الفلسطينية تجمعنا.
ضمت القافلة في البداية حساسيات اجتماعية وثقافية وحقوقية مختلفة ومتنوعة. ماهي المعايير التي تم اتباعها في عملية اختيار المشاركين ؟
لم يكن هناك آلية موحدة للاختيار. كل مبادرة اختارت مشاركيها بالشكل الذي تراه صالحا. بالنسبة لنا فتحنا المجال للجميع. دعونا كل المشاركين الى التدريبات وقد شارك نحو 127 تونسيا في هذه التدريبات. كنا صريحين بخصوص عدد الأماكن المخصصة لنا حيث كانت إمكانية عدم مشاركة البعض واردة. الشيء نفسه بالنسبة للترتيب بين المشاركين. وملامح وخصوصيات هذا الترتيب عرضناها على الجميع وخصوصا الشخصيات المؤثرة مثل البرلمانيين والرياضيين والفنانين وغيرهم حيث كانت لهم أولوية المشاركة. لأن الهدف كان تسليط الضوء على غزة وهاته الشخصيات لديها جمهورها الذي يعد بمئات الآلاف وأحيانا الملايين من المتابعين. وهذه الشخصيات هي الأقدر على إيصال صوت الشعب الفلسطيني في غزة الى العالم.
تحدثت عن التدريبات قبل الإبحار نحو غزة. ماهي التدريبات أو التحضيرات الخاصة التي خضع لها المشاركون ؟

الطالبة سحر بنور صحبة وائل نوار
من أكثر التدريبات أهمية هناك التدريب على المقاومة اللاعنفية حيث أن لدى المشاركين إحساس كبير بالحنق من الكيان الصهيوني. وحتى لا تقع مواجهة عنيفة خاصة عندما يتعمد الكيان الاستفزاز كان لزاما التدرب على ضبط النفس وعدم اللجوء الى العنف من خلال المقاومة اللاعنفية. وبخصوص طبيعة التدريب فقد كان مشتملا على جانب نظري فكري حيث حدثناهم عن تجربة غاندي في الهند وتجربة حركة القوة السوداء في أمريكا. كما كان هناك تدريب تطبيقي تمت فيه محاكاة وضع السفينة واقتحام الجنود وغيرها. كما شمل التدريب الجانب القانوني حيث توقعنا إمكانية أسرنا (وهو ما تم فعلا) حيث أن كل شخص ملزم بمعرفة حقوقه في هذه الحالة ومعرفة الوثائق التي سيتم تقديمها هذا فضلا عن تدريبات أخرى على الابحار والتواصل الإعلامي وغيرها.
هل تم الالتزام بهذه القوانين ؟
هناك اجراء قانوني تم ضبطه مثل التوقيع على التزام معرف بالإمضاء تضبط فيه جملة طويلة من الشروط، من بينها مثلا الموافقة على شروط المشاركة في الاسطول وما تتضمنه من مخاطر تصل حد الأسر أو حتى الشهادة. وهذا الالتزام يخلي ذمة المنظمين من كل مساءلة قانونية عن مصير المشاركين خصوصا في علاقة بطلب تعويضات مثلا أو غير ذلك. كما أن هذا الالتزام هو بمثابة مدونة سلوك أخلاقية تقوم على احترام الثقافات والأجناس والأديان.
ما هي أبرز المخاطر التي توقعتم مواجهتها ؟
الخطر الحقيقي هو التعرّض للاغتيال. ربما يكون الاستهداف المباشر في الطريق الى غزة. ولا ننسى أن الاسطول تعرض الى استهداف بالمسيرات من خلال 18 عملية قصف تقريباً. لكن هذا الاستهداف كان بقنابل محدودة واستهدفت الأشرعة ولم تستهدف المشاركين مباشرة حيث لم يتم تسجيل وقوع أي ضحايا. غير أن القنابل الصوتية التي تم استعمالها كانت تمثل خطرا حقيقيا على المشاركين.
الخطر الثاني هو خطر الأسر وهو ما حصل فعلا حيث تم أسرنا. وفي الأسر هناك التعذيب، والمحاكمات وغيرها من الإجراءات العقابية.
وماذا عن العقبات التي واجهتكم أثناء الإبحار ؟
كان هناك العديد من المشاكل منها التقنية في علاقة بالبحر، بإصلاح الأعطاب في السفن بوثائقها وبطواقمها. في الحقيقة واجهتنا صعوبات جمّة.
شهدت المشاركة تعطل بعض السفن في الطريق رغم تبيّن وجود اخلالات فنية بها منذ البداية. لماذا تم استعمالها أصلا ؟
تعطل سفينة في عرض البحر من الأمور العادية والمتوقعة. شاركنا بأسطول كامل من السفن حيث كان بإمكاننا التنقل من سفينة إلى سفينة والاتصال بالحرس عند ظهور أي خلل. وفي هذه الحال يقوم ربانها بإيصالها إلى أقرب ميناء. المهم أنه لا يوجد أي خطر على حياة المشاركين. مثلا سفينة «دير ياسين» وصلت ولم تتعطل طيلة مسارها في المقابل سفينة “فاميلي” وهي أكبر وأضخم سفينة تم شرائها ليتم عبرها قيادة الأسطول تعطّلت مثلها مثل سفينة «ألما» التي كانت محمّلة بالمعدات والوقود.
طُرِحت في الفترة الأخيرة جملة من التساؤلات بخصوص التبرعات وهناك من اتهم المسؤولين عن الأسطول بالفساد وخدمة مآربه السياسية وحتى التشكيك في أهداف أسطول الصمود. ما هو ردّك عن هذه الاتهامات؟
جمع التبرعات تم بشكل شفاف في مقر الأسطول في شارع المحطة بحضور عدل تنفيذ ومحام. الكثير من التونسيين أرادوا تقديم تبرعات عبر ارسالها من أماكن مختلفة ولكننا رفضنا تسلّمها من منطلق إصرارنا على الاستظهار ببطاقة التعريف الوطنية لضمان شفافية العملية. لقد تم جمع كل الأموال تحت أنظار الجميع وبشكل شفاف. بالنسبة للمصاريف هناك عدل تنفيذ ومحاسب وفواتير يتم عرضها أمام الجميع هذا فضلا عن امكانية قيام كل متبرّع بالاطلاع على الفواتير.
وفي الواقع هذه الاتهامات ارتبطت أيضا بحملة سابقة تعود الى حادثة استهداف السفن بمسيرات. وكلنا يذكر ما قيل حينها من أن اشتعال النار في السفن كان عقب جلسة خمرية وغير ذلك من التخمينات.
الكثير شكك في نتيجة هذه المبادرة ورأى انها لم تأت أكلها ولم تحقق هدفها المنشود خاصة بعد حجز السفن والمساعدات؟ كيف ترد على هذا التشكيك.
هناك فئة من الناس مهمتها تقزيم كل مبادرة والزعم بأن لا جدوى من مثل هذه المبادرات. بل من وجود المقاومة أصلا. هذه الفئة لا تستحق الردّ عليها. هذه الفئة تغلغلت داخلها النزعة الانهزامية. لكن المفارقة أنه عندما تحدث حرب التحرير تجدهم أول من يظهر على الساحة.
أما رسالتي لكل من يؤمن بفكرة المقاومة دون الاقتناع بأن الأسطول لعب دورا مهما في هذا المسار هي أن المقاومة الشعبية مهمة جدا وضرورية. وهناك الإسناد العالمي وهدفه مقاطعة الكيان الصهيوني ودعم القضية الفلسطينية وكسر الحصار المفروض على غزة. وفي ظل تخلف الدول العربية عن دعم القضية الفلسطينية على الميدان تبقى هذه المهمة محمولة على الشعوب من خلال المقاومة برا وبحرا عبر القوافل والأساطيل.
هناك فئة من الناس مهمتها تقزيم كل مبادرة والزعم بأن لا جدوى من مثل هذه المبادرات. بل من وجود المقاومة أصلا.
هل وصلتكم تهديدات او توجيهات من اي طرف في تونس بسبب طبيعة تحركاتكم الحقوقية؟
لقد اقترن مساري بالتهديدات وهذا ليس بالأمر المستجد. غير أن هذه المرة طبيعة التهديدات مختلفة نسبيا حيث أن الكيان الصهيوني قام بندوة رسمية لمدة ساعة قدّم فيها صورتي أمام كل العالم وكان يتوعدني فيها مع المشاركين في الأسطول. لا أعتقد أن هناك تهديدا أخطر من تهديد الكيان الغاصب. أما ما نتعرض له من تجييش وتحريض ضدنا على مواقع التواصل الاجتماعي فليس له أي وقع على نفوسنا.
وما هو مصدر هذه الحملة أو موقعها ؟
في تونس يوجد حملات مثل “أوقفوهم، حاكموهم”. هي حملة لا معنى لها ولا يمكن مقارنتها بحملة المساندة. أما الحملة الثانية فمتعلقة أساسا بالتقرير المالي للأسطول حيث عدد كبير من التعليقات على منشوراتي الفايسبوكية يتعلق بهذا النوع من الأسئلة. لكن ما يهم بالنسبة لي هو الثناء والشكر الذي نتلقاه كلما اعترضنا أحدهم في الشارع ليعبر لنا عن تقديره لما قمنا به.
في ظل تخلف الدول العربية عن دعم القضية الفلسطينية على الميدان تبقى هذه المهمة محمولة على الشعوب من خلال المقاومة برا وبحرا عبر القوافل والأساطيل.
أي مستقبل لمبادرتكم ؟
سيكون هناك قوافل وأساطيل أخرى بقطع النظر عن توقف عملية الإبادة الممنهجة في غزة لاقتناعنا بأنه لا يمكن الحديث عن السلم. هذا باب تم فتحه ولن يتم غلقه. ولذلك من المهم تطوير بنية مغاربية وعالمية مع المشاركين لإسناد الشعب الفلسطيني وتشبيك الشعوب وتوحيدهم حول هذه القضية العادلة.
هل هناك مبادرات أخرى في المستقبل ؟
حالياً ننتظر الرد على بخصوص مطلب توفير قافلة إغاثة تتكون من 30 شاحنة تحمل مساعدات لفلسطين. سيتم كذلك الإعداد لقافلة بحرية قريباً وشكّلنا لجنة لشراء السفن.
أي درس يمكن استخلاصه من هذه التجربة ؟
سواء القافلة أو الأسطول، هناك مكسب كبير هو تحويل العمل النخبوي إلى عمل شعبي. حولنا عمل المنظمات الإغاثية إلى عمل شعبي حيث كان بإمكان أي مواطن أن يشارك في عملية الإغاثة. لقد حصلت الاستفادة من طرق العمل المختلفة ومن تشابك الثقافات وآليات العمل المختلفة والتواصل بين جميع المشاركين من أنحاء العالم. هذه التجربة مكنتنا من الانفتاح على الكثير من الأفكار. هذه التجربة كشفت لنا من خلال المواجهة والاشتباك مع الكيان الصهيوني، واكتشاف ضعفه وجبنه وخوفه، فهو أوهن مما نعتقد.
*طالبة بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار *تم إجراء هذا الحوار قبل نشر التقرير المالي