يحلّ الممثل التونسي آدم بيسا هذا العام ضيفاً على الريفيرا الفرنسية من أرقى بواباتها، إذ يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي في دورته التاسعة والسبعين (12-23 مايو 2026)، وذلك من خلال فيلم “قصص متوازية” للمخرج الإيراني أصغر فرهادي.
وليست هذه المرة الأولى التي يطأ فيها بيسا أرض كان، غير أنها الأولى التي يدخل فيها من باب المسابقة الرسمية، أرفع أبواب المهرجان وأكثرها بريقاً.
لم يصل آدم بيسا إلى المسابقة الرسمية دفعةً واحدة، بل عبر مسار تصاعدي متأنٍّ، يعكس ثقة متنامية يمنحه إياها كبار المخرجين. ففي عام 2022، كان حاضراً في قسم “نظرة ما” بالدورة الخامسة والسبعين، من خلال فيلم “حرقة” للمخرج الأميركي المصري الأصل لطفي ناثان، وهو فيلم استكشف فيه عوالم الهشاشة الإنسانية بعيداً عن السهل والمألوف.
ثم عاد في دورة 2024 ليطلّ من نافذة أسبوع النقاد بفيلم “أثر الأشباح” للمخرج الفرنسي جوناثان ميليه، حيث جسّد شخصية حميد، دكتور الأدب السوري الذي تقلّب بين أهوال الحرب والسجن والمنفى، ليجد نفسه في فرنسا يلاحق من يعتقد أنه جلّاده، في قصة مبنية على وقائع حقيقية.
ثلاثة أفلام في ثلاث دورات مختلفة، مع ثلاثة مخرجين من ثقافات وخلفيات متمايزة، في ثلاثة أقسام متباينة، آخرها وأرفعها المسابقة الرسمية.
هذا التصاعد ليس مصادفة، بل هو شهادة على أداء يشدّ المخرجين ويقنعهم.
وما يميّز آدم بيسا ليس فقط حضوره على الشاشة، بل قدرته على أن يكون مرناً ومقنعاً في آنٍ معاً. فهو ممثل يمتلك تلك القدرة النادرة على حمل صمت الشخصية قبل كلامها، وإيصال ما لا يُقال بنظرة أو بتردد عابر. وهي سمة لا يخطئها المخرجون الذين يشتغلون على عمق الشخصية لا على سطحها.
وليس من قبيل المصادفة أن يختاره أصغر فرهادي، أحد أدقّ مخرجي العالم في رسم الشخصيات وتشريح العلاقات الإنسانية، لدور محوري في فيلمه الفرنسي الجديد. فرهادي الذي عوّدنا على أن كل شخصية في أفلامه تحمل طبقات من الغموض والتناقض الداخلي، وجد في بيسا ممثلاً قادراً على الاشتغال في هذا الفضاء الدقيق.
وبعد اثني عشر عاماً على “الماضي”، يصور فرهادي “قصص متوازية” حيث تتآكل الحدود بين المتخيَّل والمعيش في فرنسا على إيقاع حكاية امرأة تكتب، أو بالأحرى تحاول.
“سيلفي”، التي تجسّدها إيزابيل أوبير، روائية أضاعت خيط الإلهام، فراحت تعوّض غياب الكلمات بمراقبة من حولها، حتى وقعت عيناها على جارة شابة “آنا” (فريجيني إيفيرا) تحمل في ملامحها وهيئتها ظلاً غريباً لوالدتها الراحلة.
هنا يدخل “آدم” (آدم بيسا) على الخط، ولا تلبث شخصيته أن تتحوّل إلى طرف فاعل في اللعبة حين يكتشف التقاطع الصارخ بين الجارة الحقيقية وتلك الشخصية التي تنسجها سيلفي في روايتها.
قراره بالاقتراب من الجارة ولقائها يكون بمثابة حجر يُرمى في بركة راكدة، فتتتالى التداعيات وتتسارع، ويغدو الفاصل بين ما هو متخيَّل وما هو حقيقي خطاً رفيعاً قابلاً للاختراق في كل لحظة.
شخصية”آدم” تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تنطوي على دور محرّك للأحداث، يستدعي ممثلاً يعرف كيف يوازن بين الفضول والحذر، وبين التردد والتجذّر.
دور كهذا لا يحتمل الأداء الصاخب، بل يشتغل في المنطقة الرمادية، حيث يسكن الممثلون الحقيقيون على غرار آدم بيسا.
أن يقف بيسا في هذا الفيلم إلى جانب إيزابيل أوبير وفيرجيني إيفيرا، ويُسهم في دراما نفسية تتشعّب خيوطها وتتعقّد إيقاعاتها على يد فرهادي، هو في حد ذاته تتويج لمسيرة ممثل تونسي يرسم بصبر وموهبة خارطة حضوره في السينما العالمية.