الآن، وقد هدأت زوبعة الانقطاعات الكهربائية نوعًا ما، وعاد كثير من الخبراء إلى جحورهم، ومنهم من ينتمون إلى خبراء الأزمات، وخبراء عابرون لكل أزمنة الحكم السابقة، والمتنطّعون والمتسلّقون والمحلقون حول السلاطين، وفي ظلّ مواطنين ينسون بسرعة، أجد من الضروري أن نطرح السؤال الذي ينبغي أن يظلّ حاضرًا حتى بعد انقضاء الأزمة: هل أفضت كل تلك الحوارات والمقترحات والنقاشات التي رافقت أزمة الانقطاعات إلى حالة عملية وممكنة تسمح لنا بتفادي تكرارها؟ أم أن المسألة ستنتهي، كما انتهت أزمات سابقة، بمجرد أن ينخفض الطلب وتعتدل الأحمال، ثم نعود جميعًا إلى حياتنا وكأن شيئًا لم يحدث؟
أقول ذلك لأنني أخشى أن نتعامل مع الكهرباء كما نتعامل مع «الزقزقو» في مواسم المولد المتكررة: لا نتذكر هذه المادة إلا عندما يحين موسمها، ثم نبحث عنها في الأسواق، ونتحدث عن ندرتها وارتفاع أسعارها، وبعد انتهاء الموسم نضع الموضوع جانبًا، لنعود إلى تذكّره في الموسم القادم. فهل سنفعل الشيء نفسه مع الكهرباء؟ هل سننتظر صيف السنة القادمة حتى نتذكر محطات التحويل، وشبكات التوزيع، والمحولات، وقطع الغيار، والصيانة، وتوازن الأحمال، وقدرات الإنتاج، والاحتياطي، ثم نبدأ من جديد في البحث عن حلول استعجالية تحت ضغط الوقت والحرارة والطلب؟
السؤال، في رأيي، يجب أن يكون أكثر تحديدًا: ماذا أعدّت الشركة التونسية للكهرباء والغاز؟ وماذا أعدّت الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة؟ وماذا أعدّت سلطة الإشراف؟ وما هي البرامج التي تم اعتمادها فعلًا منذ الآن استعدادًا للموسم القادم؟ وما هي الدراسات التي تم تحيينها؟ وما هي المشاريع التي تم تحديد أولوياتها؟ وما هي الميزانيات التي تم توفيرها؟ وما هي المعدات التي تم طلبها؟ وما هي الاعتمادات التي تم تخصيصها على مستوى الإنتاج والنقل والتوزيع؟ وهل هناك رزنامة تنفيذ واضحة، أم أننا سنعود في الصيف القادم إلى سياسة ردّ الفعل والبحث عن الحلول في آخر لحظة؟
أما وكالة التحكم في الطاقة، فلا أطرح السؤال حولها من باب الإنكار لدورها من حيث المبدأ، وإنما من باب تقييم الجدوى الفعلية للمؤسسات والأدوار. فإذا كانت الوكالة لا تستطيع أن تكون جزءًا فعليًا من منظومة التخطيط الطاقي والاستباق والتحكم في الطلب وترشيد الاستهلاك ودعم القرار، فإن وجودها يصبح، في نظر المواطن، شكلًا من أشكال البذخ الطاقي الزائد. وقد يبدو دورها، في بعض الأحيان، أشبه بفرق موسيقية في الأعراس: وجودها يضفي صيغة من صيغ الفلكلور، لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا تضيف إلى صلب العملية؟ وأين أثرها القابل للقياس في مواجهة الأزمات الطاقية؟
إنني أطرح هذه الصيحة الآن تحديدًا، وليس عندما تعود الانقطاعات في الصيف القادم. لأن قيمة التخطيط تظهر في الفترة التي لا تكون فيها الأزمة مشتعلة، لا عندما تصبح البلاد تحت ضغطها. وما أريده هو أن ننتقل من صيغة النسيان إلى صيغة العمل، ومن ردود الأفعال إلى التخطيط الجدي والحاسم، وأن نبدأ منذ الآن في الإعداد للموسم القادم، أولًا كحل عملي وأولي للتقليل من الانقطاعات، ثم نرتقي بعد ذلك إلى الإعداد الاستراتيجي الذي يتطلب تفكيرًا مختلفًا، ودراسات مركزة، وبرامج متعددة، وميزانيات واضحة، وآليات متابعة ومساءلة.
فالمطلوب ليس فقط أن نعبر الصيف القادم بأقل عدد ممكن من الانقطاعات، ثم نعود إلى النوم حتى صيف آخر. المطلوب أن نستغل هذه الأزمة باعتبارها فرصة لإعادة النظر جذريًا في طريقة تفكيرنا في المنظومة الكهربائية. علينا أن نعرف أين تكمن نقاط الضعف، وأن نحدد ما يمكن إصلاحه سريعًا، وما يحتاج إلى استثمارات متوسطة وطويلة المدى، وأن نضع الأولويات على أساس المعطيات الفنية والاقتصادية، لا على أساس الارتجال والضغط السياسي والإعلامي.
نحن بحاجة إلى تركيز الدراسات، وإلى توفير الميزانيات اللازمة لإنجازها، وإلى تحويل نتائجها إلى مشاريع وبرامج قابلة للتنفيذ، وإلى متابعة تنفيذها بصرامة. فلا يمكن لشبكة كهربائية أن تُدار بعقلية الموسم، ولا يمكن لأمن الطاقة أن يكون ملفًا يُفتح عندما تقع الأزمة ثم يُغلق عندما تنتهي. الكهرباء ليست مادة موسمية، بل هي أحد شروط استمرار الاقتصاد والمجتمع والدولة.
ولذلك فإن القضية في النهاية ليست فقط قضية «ستاغ»، ولا قضية وكالة، ولا قضية وزارة، ولا قضية صيف ساخن. إنها قضية ثقافة وطنية في التخطيط والاستثمار والاستباق. وإذا كنا نريد فعلًا وضع حد لهذه المهازل، فعلينا أن ننتقل من عقلية انتظار الأزمة إلى عقلية صناعة القدرة على مواجهتها، ومن عقلية «قلّل ودلّل» إلى عقلية الوفرة والاقتدار.
لقد عشنا طويلًا في ظل عقلية «قلّل ودلّل»: قلّل في الاستثمار، قلّل في الصيانة، قلّل في المخزون، قلّل في التجهيزات، ودلّل على أن الإمكانيات محدودة، وأن الموارد شحيحة، وأن المطلوب دائمًا هو التكيّف مع النقص بدل صناعة القدرة. هذه العقلية، إذا تحولت إلى فلسفة دائمة في إدارة الدولة، لا تنتج إلا عقلًا تونسيًا طائفيًا مرتجفًا، يخشى المبادرة، ويخشى الاستثمار، ويخشى التوسع، ويعتبر الوفرة ترفًا والاقتدار مغامرة.
آن الأوان أن نخرج من هذه الحالة. آن الأوان أن نعيد بناء طريقة تفكيرنا على أساس روح الوفرة لا روح الندرة، وروح التخطيط لا روح الارتجال، وروح الاقتدار لا روح العجز. فالبلدان لا تبني أمنها الطاقي بالانتظار، ولا تحمي شبكاتها بالدعاء، ولا تواجه صيفها القادم بالذاكرة القصيرة.
لذلك، هذه الصيحة ليست عودة إلى زوبعة الانقطاعات، ولا محاولة لإحياء أزمة انتهت. إنها دعوة إلى ألا نسمح للأزمة بأن تنتهي قبل أن تتحول إلى خطة عمل. فإذا كان الصيف القادم موعدًا جديدًا لاختبار قدرتنا، فلنبدأ الاستعداد له من الآن؛ وإذا كانت تونس تريد أن تضع حدًا لهذه المهازل، فعليها أن تبدأ اليوم في بناء منظومة كهربائية تفكر بعقل الدولة، وتخطط بعقل المهندس، وتستثمر بعقل المستقبل، وتتحرك بروح الشموخ والاقتدار.
بلقاسم صوالحية