في تونس أصبح البحث عن الماء يحاكي رحلة شاقة تبدأ بالسؤال أين نجد الماء؟ وتنتهي بسؤال أكثر قسوة كم سندفع مقابله؟
إلى امتحان يومي للعائلات تحول أبسط حقوق الإنسان، طوابير، قوارير تُحمل من مكان إلى آخر، بحث محموم عن متجر ما زال يملك مخزونا، واتصالات بين الجيران يسألون فيها عن شاحنة ماء مرت من هنا أو هناك.
وبينما يشتد العطش تحت شمس الصيف، تتحول قطرة الماء من نعمة طبيعية إلى سلعة بات الحصول عليها رهين قدرتك على الدفع.
العطش لا يختار ضحاياه، لكنه يثقل أكثر على كبار السن، على المرضى، على من لا يملكون سيارة تنقل القوارير، وعلى عائلات لا تسمح لها مداخيلها المحدودة بأن تشتري الماء بالأسعار التي يفرضها السوق حين يغيب التنظيم والرقابة.
تخيلوا مسنًا يقف أمام قوارير الماء، يحاول أن يحمل ما يكفيه ليوم أو يومين. تخيلوا امرأة تعود إلى منزلها محمّلة بقوارير ثقيلة، لأن الماء لم يعد متاحًا بالطريقة التي اعتدناها.
تخيلوا عائلة تحسب عدد القوارير كما تحسب مصاريف الخبز والحليب والدواء، المسألة، هنا، تتعدى أزمة مياه لتعكس أزمة كرامة.
ولأن الأزمات تفتح دائما الباب أمام أسوأ ما في الإنسان، حين قلّ الماء، ظهرت المضاربة، وظهر الاحتكار، وظهرت عقول ترى في حاجة الناس فرصة للربح وارتفع السعر لأن الطلب مرتفع، وخزّن البعض ما يستطيع تخزينه انتظارًا للحظة يصبح فيها العطشان مستعدًا لدفع أي ثمن.
وحين يتعلق الأمر بمادة أساسية لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها، لا يمكن تبرير الأزمة بمنطق العرض والطلب، فالماء ليس هاتفا يمكن تأجيل شرائه، ولا قطعة أثاث يمكن الاستغناء عنها، ولا سلعة كمالية تنتظر انخفاض سعرها. الماء ضرورة للحياة، ومن يستغل عطش الناس ليضاعف أرباحه لا يستفيد من السوق ومن ضعف الآخرين.
وفي خضم الأزمة تتواتر أسئلة من قبيل أين الدولة؟ أين الرقابة حين يقف المواطن أمام أسعار تتغير من مكان إلى آخر؟ أين فرق المراقبة الاقتصادية؟ أين آليات التدخل السريع حين تتحول أزمة التزويد إلى فرصة للمضاربة؟ وأين الخطط الاستباقية التي تمنع أن يجد المواطن نفسه، كل صيف، أمام المشهد نفسه: ماء أقل، طلب أكبر، وأسعار أثقل؟
لا يكفي أن نطالب المواطن بعدم التبذير، رغم أن ترشيد الاستهلاك مسؤولية جماعية. ولا يكفي أن نلقي عليه مسؤولية الأزمة ونطلب منه أن يقتصد في كل قطرة، بينما يظل جزء من المشكلة مرتبطًا بالبنية التحتية، والتصرف في الموارد، وشبكات التوزيع، والرقابة، والتخطيط، ومواجهة المضاربة.
نحن أمام أزمة مركبة، أزمة موارد، وأزمة بنية، وأزمة إدارة، وأحيانًا أزمة ضمير.فالعطش الذي يعيشه المواطن ليس دائما نتيجة ندرة الماء وحدها، بل قد يكون نتيجة سوء توزيعه أيضا، ونتيجة غياب الرقابة حين تتحول الندرة إلى سوق سوداء، ونتيجة غياب الاستعداد حين تأتي أشهر الصيف بما تحمله من ضغط متوقع على الموارد.
والدولة لا تختبر حضورها فقط بقدرتها على توفير الماء، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية المواطن من استغلال حاجته إليه.
فلا يجوز أن يتحول العطش إلى تجارة، ولا يجوز أن يصبح المسن الذي يبحث عن قارورة ماء مجرد رقم في إحصائية حول نقص التزويد.
خلف كل قارورة تُحمل على عجل إنسان، وخلف كل طابور عائلة، وخلف كل زيادة في السعر ميزانية منزل تُستنزف.
الماء ليس رفاهية، وليس امتيازًا لمن يستطيع الدفع أكثر، والبحث عنه لحظة تختبر فيها الدولة قدرتها على حماية أبسط الحقوق، ويختبر فيها المجتمع قيمه.
وأخطر ما في أزمة المياه نقصان الشعور بأن هناك من يحمي الناس حين يشتد العطش.
فالماء حين يغيب يترك عطشًا في الحناجر، لكن غياب العدالة والرقابة يترك عطشا من نوع آخر… عطشا إلى دولة حاضرة، وإلى مجتمع لا يستغل ضعف أفراده، وإلى حق بسيط لا ينبغي لأي إنسان أن يخوض رحلة طويلة بحثا عنه، الحق في أن يجد الماء حين يحتاج إليه، وبسعر لا يحوّل العطش إلى عقوبة.
*تم توليد الصورة بالذكاء الاصطناعي