بعض الموسيقات تطرق الأذن عابرة، وبعضها تترك في القلب وشما لا يمحي ، على غرار موسيقى الفنان ظافر يوسف، الذي لا يراكم الألحان بل يفتش في الشرخ الرفيع الفاصل بين الصوت وما قبله من صمت.
حفلاته لا تبدأ حين تصدح أول نغمة، بل في تلك البرهة العارية التي تسبقها، حين يُسدل الصمت ستارته على المكان، وكأن الهواء نفسه يحبس أنفاسه انتظارا لولادة جديدة.
وفي مهرجان الحمامات الدولي، تشكّل طقس موسيقي تتعانق فيه المناجاة مع الجاز، ويتصافح فيه الشرق مع أكثر أشكال الموسيقى الغربية انفلاتا من القيد ليتحوّل الركح إلى محراب للإصغاء إلى العود وهو يخلع تاريخه القديم ليرتدي تاريخا يكتب في كل عرض من جديد ، وإلى الصوت وهو ينسلّ من الجسد كدعاء عتيق يشق طريقه من الأعماق، وإلى الارتجال وهو يعلن، في كل مرة، أن الحرية هي الجسد الأخير الذي تتقمصه الموسيقى حين تكتمل.
كان يحتضن عوده كمن يحكم يده على ضوء لا يريد له أن ينطفئ، يقرّبه من صدره، يهمس له، ينحني عليه، ثم يرفعه قليلا نحو السماء كأنه يقايض الأرض بشيء من النور، قبل أن تهبط أصابعه من جديد لتوقظ الأوتار من سباتها.
علاقة وجدانية خالصة بين العازف وآلته، حتى صار العود ضلعا من أضلاعه، وصار الجسد بدوره وترا إضافيا يهتز مع كل نأمة، فيستحيل التمييز أهي الأصابع تقود الأوتار، أم أن العود هو من يأخذ صاحبه، كالتيار، إلى شواطئ لم يخطط لبلوغها؟
على وقع هذا التماهي، يعيد اختراع آلته في كل مشروع، يخلعها من وشاحها المألوف، ويدفعها إلى فضاءات لم تطأها من قبل، يدخل بها إلى الجاز دون أن تُسلَب شرقيتها، ويسكب في البلوز شجنا عربيا كثيفا، ويجعل المقام يتحاور مع الهارموني الحديث دون أن يذوب فيه، كنهرين يجريان جنبا إلى جنب دون أن يختلطا.
لذلك يستعصي تصنيف موسيقاه في الخانات الجاهزة، فهي لا تنتمي إلى “الجاز الشرقي” بقدر ما تنتمي إلى قارة خاصة به وحده، حيث تغدو الحدود الموسيقية مجرد خطوط على رمال، تمحوها الموجة الأولى.
تلوينات موسيقية تنهمر بسلاسة ماء يعثر أخيرا على مجراه، تتقاطع وتتشابك كخيوط نسيج واحد، فيما يتعالى صوت ظافر يوسف في مساحة لا يشاركه فيها أحد، صوت لا يغني بالمعنى المتعارف عليه، بل يتعثر عمدا بالكلمات والحروف، وكأنها أوتار أخرى تُشد فوق الحنجرة.
مرة يبدو منشدا صوفيا يذوب في الذكر، ومرة مؤذنا يختبر صدى صوته في قبة السماء، ثم يتحول فجأة إلى آلة نفخ من لحم ودم، أو إلى أنين بشري سحيق لا يحتاج إلى قاموس كي يُفهم.
هنا، تسقط الحاجة إلى الكلمات، يكفي الحرف الواحد، بل يكفي النفَس وحده، حتى تكتمل الجملة الموسيقية.
وحوله، خمسة موسيقيين يعاضدونه في رسم ملامح عالمه المتفرد : نغوين لي على الغيتار، ودانيال غارسيا دييغو على البيانو، وماريو روم على الترومبيت، وسوايلي مبابي على الباص، وتاو إرليش على الدرامز.
لم يكونوا عازفين مرافقين فقط، كانوا شخصيات في رواية واحدة، لكل منهم صوته ومساحته وبصمته الخاصة، لكنهم جميعا يعرفون، بحدس المجتمعين حول نار واحدة، متى يتقدمون ومتى يتراجعون.
وفي كل مرة ينتهي فيها أحدهم من ارتجاله، كان ظافر يوسف يتجه نحوه بعفوية طفل، يبتسم، تتعانق القبضتان في تحية خاطفة تحيل إلى أن أجمل ما في الارتجال أنه يُولد مرة واحدة فقط، ثم يموت ليصير ذكرى لا يمكن استرجاعها بالشكل ذاته.
وعلى إيقاع مقطوعات “شيراز”، أحدث أعماله، خط ظافر يوسف رسالة حب طويلة، مكتوبة بحبر المشاعر، إلى شريكة حياته لكنها في العمق تتجاوز الحكاية الشخصية لتصير تأملا في هشاشة الإنسان أمام الريح، وفي الخوف، والامتنان، والضوء الذي يولد أحيانا، كالبرعم، من أقصى العتمة.
كيف تحفظ الموسيقى الامتنان في جيبها كحصاة صغيرة؟ وكيف تقول الخوف دون أن تلفظه؟ في هذا العمل، كما في العرض، لا يلقي ظافر بالا إلى الإجابات، بل يترك الأسئلة معلّقة كنجوم، حتى تستقر رويدا في قلوب المستمعين.
كل مقطوعة كانت فصلا من سيرة داخلية، وصفحة من اعتراف طويل ترويه النغمات بدل الحروف، فاتشحت الموسيقى بحميمية جعلتها أقدر على ملامسة مناطق خفية في المستمع، دون أن تتخلى عن جرأتها في التجريب أو عن لغتها المعاصرة.
ثم جاءت لحظة محمود درويش، كامتداد طبيعي للموسيقى، بصوته المعلق بين الغناء والإنشاد، بين الأرض والسماء صدح
“يا دامي العينين، والكفين!
إن الليل زائل، لا غرفة التوقيف باقية،
ولا زرد السلاسل.”
لم يلق القصيدة، بل كان يعيد فتح بابها المغلق، محوّلا الكلمات إلى نغم يستعير معناها منه حتى تغيّر إيقاع المكان بأكمله وصارت القصيدة جزءا من الارتجال، وفتحت الموسيقى تفتح للكلمات ثنايا جديدة لم تكن تعرف طريقها إليها، وكأن درويش كتبها منذ البداية لتولد من جديد، بعد سنوات، فوق هذا الركح بالذات.
في تلك اللحظة، سقطت كل الحدود بين الشعر والموسيقى، بين الشرق والغرب، بين الجاز والابتهال، وذاب كل شيء في صوت واحد يبحث، منذ سنوات طويلة، عن معنى أوسع للحرية.
وعلى الركح، تعاقبت العوالم الموسيقية وتشابكت وتدانت كأنفاس متزامنة، دون أن تتنافر أو تضيع وسط الزخم، وترك ظافر يوسف إحساسا نادرا بأن الموسيقى تبقى الملاذ الأخير حين يستحيل استيعاب الواقع.