في وقت تتكثّف فيها محاولات محو سرديات الحرية والتحرر، يبدو إطلاق مهرجان السينما الفلسطينية في تونس وكأنه فعل مضادّ، لا يكتفي بالعرض، بل يعيد ترتيب العلاقة بين الصورة والواقع، وبين الفن والتاريخ، وبين الجمالية والمقاومة.
هنا، تتحاوز السينما الفعل الثقافي، لتمثّل أحد أكثر أشكال النضال تعقيدا وهدوءا في الآن ذاته فهي نضال يشتغل على الذاكرة، وعلى المعنى، وعلى الحق في أن تُروى الحكاية من داخلها.
وفي الندوة الصحفية التي احتضنتها قاعة الريو، اليوم، اتّضح أن هذا المشروع مساحة تأسيسية تتعامل مع السينما الفلسطينية بوصفها أرشيفا حيا، ومختبرا جماليا، وسلاحا رمزيا في مواجهة السرديات المهيمنة.
وعبارة عضو هيئة المهرجان حبيب بالهادي، مدير فضاء الريو الذي سيحتضن أنشطة المهرجان “الفن من أقوى أسلحة الشعب الفلسطيني” ليست مجرد شعار
بل مدخل نظري لفهم طبيعة هذا المهرجان الذي يدور في فلك تساؤلات من قبيل كيف يمكن للصورة أن تُقاوم؟ كيف يمكن للكاميرا أن تُنتج معرفة.
الرهان، كما بدا في مداخلات المنظمين، يتجاوز فكرة “التعريف” بالسينما الفلسطينية إلى تفكيكها وإعادة تركيبها، فهذه السينما، التي غالبًا ما تُختزل في بعدها السياسي المباشر، تكشف، عند الانغماس، فيها عن طبقات جمالية وسردية بالغة التعقيد: من الشعرية البصرية عند ميشال خليفي، إلى الاشتغال على الذاكرة والمنفى في تجارب قيس الزبيدي ومحمد بكري وغيرهم، إلى التجارب الجديدة التي تعيد صياغة العلاقة مع المكان والهوية.
واختيار “عرس الجليل” لميشال خليفي فيلمًا للافتتاح ليس قرارا برمجيا فقط، بل هو إعلان موقف، فهذا الفيلم، الذي يُعتبر أحد الأعمال المؤسسة للسينما الفلسطينية الحديثة، لا يقدّم فلسطين كضحية صامتة، بل كفضاء نابض بالتناقضات، الفرح تحت الرقابة، والطقس الجماعي في مواجهة السلطة، والجسد كمساحة مقاومة.
إنه فيلم يشتغل على ما هو غير مرئي بقدر ما يشتغل على الظاهر، وعلى ما يتسرّب من بين التفاصيل الصغيرة ليصنع معنى أكبر.
في المقابل، يفتح المهرجان أبوابه على أجيال جديدة من السينمائيين، من بينهم محمود نبيل أحمد، في إشارة إلى أن السينما الفلسطينية ليست ذاكرة فقط، بل أيضًا أفق.
هذا التلاقي بين الأجيال، بين من صوّر فلسطين من داخلها، ومن يحاول استعادتها من الشتات، يخلق توترًا خلاقًا، يجعل من المهرجان فضاءً للحوار، يتجاوز كونه منصة عرض.
والهيكلة البرمجية للمهرجان، عبر أقسامه المختلفة، يعكس هذا الوعي بالتعدد من “الفيلم الفلسطيني الجديد”، إلى “أفلام البدايات”، و”التكريمات”، و”ماستر كلاس” والتعريف بالأجيال الصاعدة، إلى جانب انفتاح واضح على الفنون الأخرى.
وهذا التعدد لا يُمكن حصره في التنويع الشكلي فحسب، فهو إقرار بأن التجربة الفلسطينية لا يمكن اختزالها في صوت واحد أو صورة واحدة أو توجه واحد.
ومن جهتها وضعت عضو المهرجان، ممثلة الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الفلسطينيين إيناس التليلي، هذا المشروع ضمن سياق أوسع من العمل الثقافي الذي انطلق منذ سنوات، يقوم على “نشر ثقافة المقاومة عبر الفنون”.
هنا، تتحول المقاومة من فعل مباشر إلى سردية تُبنى عبر القصص، وعبر التفاصيل اليومية، وعبر إعادة إنتاج المعنى، فالمقاومة ليست فقط أن تواجه، بل أن تحكي، وأن تحفظ، وأن تمنح للحياة اليومية قيمتها في وجه العنف.
أما الناقد والمدير الفني إقبال زليلة، فقد شدد على ضرورة “عرض السينما الفلسطينية بكل تشكلاتها وتمظهراتها”، وهو ما يفسر حضور أفلام لمخرجين غير فلسطينيين، لكنها تشتبك مع القضية من موقع تضامني.
هذه الاختيارات تطرح أسئلة مهمة على غرار من يملك حق رواية الحكاية؟ وهل يمكن للآخر أن يكون شاهدا دون أن يُصادر الصوت؟
المهرجان لا يقدّم إجابات جاهزة، لكنه يفتح المجال لهذا النقاش، ويحوّله إلى جزء من تجربته حيث يكتسب تكريم ميشال خليفي بعدًا خاصا فهو ليس فقط أحد أبرز المخرجين الفلسطينيين، بل أحد الذين أعادوا تعريف العلاقة بين السينما والمكان.
أفلامه لا تكتفي بتوثيق الواقع، بل تعيد خلقه، تمنحه عمقا شعريا، وتحوّله إلى مساحة للتأمل، والماستر كلاس الذي سيقدّمه لا يبدو كدرس تقني، بل كتمرير لذاكرة كاملة، كحوار بين زمن التأسيس وزمن الاستمرار.
لكن ما يميّز هذا المهرجان حقًا هو خروجه من حدود الشاشة ألى فنون أخرى حيث يتحول الفضاء إلى تجربة حسية في بهو الريو، عبر مشروع فني يتمثل في تنصيب يستلهم تفاصيله من “جيولوجيا المخيمات:
الفكرة هنا ليست عرض صور أو مجسمات، بل خلق تجربة تمشي فيها بين “الخيام”، وأن تشعر بالفروق الدقيقة بين مخيم وآخر، أن تكتشف أن ما يجمعها ليس الشكل، بل الفكرة. المخيم، في هذا التصور، ليس مجرد مكان، بل كائن حي، في حالة تحوّل دائم، يحمل داخله تناقضاته من الهشاشة والقوة، والانكسار والتماسك، والمؤقت والدائم.
“خيمة عن خيمة تفرق مخيم عن مخيم ما يفرقش” عنوان التنصيب الذي اشتغل عليه حكيم في جوانبه الفنية وحكيم في جوانبه الهندسية فكون الأول من مخيم “بلاطة” في الضفة الغربية والثاني من مخيم “النصيرات” في غزة يمنح هذا المشروع بعدًا توثيقيًا وجماليًا في الآن ذاته.
فالتنصيب لا يقدّم المخيم كصورة جاهزة، بل كزمن من آثار الحرب على الجدران إلى الشقوق التي تحكي قصصًا، والروابط الاجتماعية التي تعيد ترميم ما تهدّم، إنها محاولة لإعادة إنسانية المكان، لإخراجه من اختزاله الإعلامي، ومنحه تعقيده الكامل.
وإهداء هذه الدورة إلى روح إسماعيل الجنيدي يضيف طبقة أخرى من المعنى، فهذا المحامي الفلسطيني، الذي اختار تونس وطنًا ثانيًا، يجسد فكرة أن النضال ليس حكرًا على الجغرافيا، بل يمكن أن يتخذ أشكالًا متعددة منها القانونية، والسياسية، والثقافية وتكريمه داخل مهرجان سينمائي يربط بين العدالة كقيمة، والفن كوسيلة للدفاع عنها.
وفي امتداد لهذه الرؤية، يحضر البعد الثقافي للمقاومة من خلال شراكة مع علامة “بريبري”التونسية.
قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، تفصيلًا جانبيًا، لكنه في الحقيقة يعكس فهمًا عميقًا للمقاومة بوصفها ممارسة يومية.
وأما اختتام المهرجان بفيلم لألفة لملوم بعنوان “الطريق البحري إلى غزة” ، المرتبط بتجربة “أسطول الحرية”، يعيد ربط السينما بالفعل. الصورة هنا لا تكتفي بالتأمل، بل تتحول إلى شهادة، إلى أداة تضامن، إلى وسيلة لربط المتفرج بواقع يتجاوز الشاشة.