كان_في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي، يبرز سؤال عميق يخترق اثنين من أكثر أفلام المسابقة الرسمية حديثاً عن النفس : ماذا يفعل الإنسان حين يصبح العالم أثقل مما يطيق؟
المخرج الياباني هيروكازو كوريدا والمخرج البولندي بافليكوفسكي مخرجان من جيلين وثقافتين مختلفتين، يقدمان إجابتين متعاكستين تماماً، لكنهما في العمق تنبعان من الجرح ذاته.
كوريدا : الهروب إلى الأمام
في “خروف في الصندوق”، يطرح هيروكازو كوريدا سؤالاً يبدو تقنياً لكنه يهز الأعماق: هل يحق للأحياء إعادة تشكيل صورة الراحلين وذكرياتهم وفق احتياجاتهم العاطفية؟
زوجان فقدا ابنهما يُدخلان إلى منزلهما روبوتاً بشرياً يحمل ملامح الطفل وصوته وذكرياته. ما يبدو حلاً لملء الفراغ يتحول تدريجياً إلى كشف مؤلم عن هشاشة الحزن البشري، وعن المسافة الشاسعة التي تفصل بين تقليد المشاعر وعيشها حقاً.
كوريدا لا يريد صنع فيلم خيال علمي، والتكنولوجيا هنا ليست بطلة ولا شريرة، بل مرآة نرى فيها أنفسنا بوضوح مقلق.
وفي المؤتمر الصحفي، قال كوريدا إن “جوهر الإنسانية لا يكمن في امتلاك الإجابات، بل في الاستمرار بطرح الأسئلة”.
كما أكد أن التكنولوجيا قد تُقلّد المشاعر لكنها لن تستطيع يوماً أن تفهم الألم بالطريقة التي يعيشها البشر.
الفيلم يواصل الخط الإنساني الذي رسمه كوريدا منذ “Still Walking” و”Shoplifters” وهو التحديق في الألم الهادئ الذي يسكن العائلات.
ولدور الروبوت اختارطفلاً في أول تجربة تمثيلية له، لأنه يمتلك، بحسب المخرج، “براءة يصعب تمثيلها”، آلة تُجسَّدها براءة طفل، ربما هذه الصورة وحدها تختصر الفيلم كله.
بافليكوفسكي: الهروب إلى الوراء
على الطرف الآخر، يقف بافل بافليكوفسكي بفيلمه “Fatherland” (أرض الأجداد) ليقترح مساراً معاكساً تماماً: لا إلى المستقبل والآلة، بل إلى الماضي والذاكرة.
صاحب “Ida” و”Cold War” يعود إلى المسابقة الرسمية بعد غياب ثمانية أعوام، ليأخذنا إلى أوروبا عام 1949، حيث يعود الكاتب الألماني توماس مان إلى بلاده بعد سنوات من المنفى، حاملاً جراحه المكبوتة وأسئلته عن الانتماء والوطن واليقينيات المنهارة.
في المؤتمر الصحفي، لم يُخفِ بافليكوفسكي دوافعه الشخصية. قال صراحةً إنه يعجز عن فهم الحاضر، وإن العالم المعاصر بات “معقداً بشكل مشوّه”، وإنه يشعر بغربة حقيقية تجاهه على المستوى الإنساني والبصري والفكري. لذلك يلجأ إلى الماضي، لا هرباً منه بل بحثاً فيه عمّا يفسّر اللحظة الراهنة. “عدت إلى عام 1949، حيث كانت الجراح واضحة والخيارات الأخلاقية أكثر حدة.”
الفيلم الذي يصفه بأنه الأكثر شخصية في مسيرته يتناول مشاعر مكبوتة في حقبة لم يكن الناس يملكون فيها تسميات لصدماتهم النفسية، ويستخدم موسيقى باخ لكن بطريقة مغايرة، موسيقى تُعزف على أورغن مخرّبة وبأسلوب متشقق، كأن الجمال نفسه يرفض أن يكون سليماً في عالم مكسور.
وجهان لصدمة واحدة
ما يجمع الفيلمين، رغم اختلافهما الجذري في الشكل والزمن والأسلوب، هو هذا الشعور المشترك بأن العالم كما هو لا يكفي، وأن الإنسان يحتاج دائماً إلى مكان آخر يلجأ إليه حينما يثقلنا الحاضر.
كوريدا يهرب إلى الأمام ويسأل: هل تستطيع الآلة أن تُعوّضنا عمّا فقدناه؟ بافليكوفسكي يهرب إلى الوراء ويسأل: هل يستطيع الماضي أن يمنحنا ما عجز الحاضر عن تقديمه؟
كلاهما يعرف أن الإجابة لا، لكنهما يصنعان الأفلام على أية حال ويسخران السينما للعيش مع الأسئلة التي لا تُحتمل.