في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها المنظومة الصحية في تونس، تبرز منصة “نجدة” كنموذج عملي يُجسّد ما يمكن أن تتيحه الرقمنة من حلول ناجعة في مجال الطب الاستعجالي، وخاصة في اختصاص دقيق وحاسم مثل أمراض القلب.
وقد تم عرض نتائج هذا المشروع خلال الدورة الحادية عشرة للمنتدى الدولي للصحة الرقمية بياسمين الحمامات، من خلال فيديو قدّمه الدكتور سالم عبد السلام، وتولّى تقديمه الدكتور سامي الملوشي، منسق المشروع.
في ظرف وجيز لم يتجاوز تسعة أشهر، نجحت هذه التجربة النموذجية في إحداث نقلة نوعية في كيفية التكفّل بمتلازمة الشريان التاجي الحادة، وهي من أخطر الحالات القلبية التي تتطلب تدخّلًا سريعًا ودقيقًا. ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، بل ثمرة تلاقي الخبرة الطبية مع الإمكانات التي تتيحها الأدوات الرقمية، في منظومة متكاملة هدفها الأول إنقاذ الأرواح.
ويستند هذا المشروع، في جوهره، إلى تعبئة بشرية واسعة، حيث انخرط نحو 900 طبيب ضمن هذه المنصة، ما أتاح خلق شبكة تواصل فعّالة وسريعة بين مختلف المتدخلين في مسار العلاج.
وقد مكّن هذا التنسيق من التكفّل بحوالي 2500 مريض، غالبيتهم من الرجال، في ظروف زمنية دقيقة تُعدّ فيها كل دقيقة عاملًا حاسمًا في تحديد فرص النجاة.
ولعلّ من أبرز ما يكشفه هذا المشروع، قدرته على تجاوز العوائق الجغرافية التي طالما أثّرت على توزيع الخدمات الصحية. فقد شهدت عدة مؤسسات صحية جهوية، على غرار المستشفيات الجامعية بمدنين والقصرين، إضافة إلى مستشفى الحبيب ثامر، انخراطًا فعّالًا في هذه التجربة، ما سمح بتقريب الخدمات الطبية المتقدمة من المرضى في مختلف أنحاء البلاد.
أما على مستوى النتائج، فقد أظهرت المؤشرات المسجلة نجاعة لافتة تقترب من المعايير الدولية. إذ تمكّن نحو 90% من المرضى من الاستفادة من عملية القسطرة القلبية الأولية (angioplastie primaire)، وهي العلاج المرجعي لفتح الشرايين في الحالات الاستعجالية. وقد تحقق هذا الإنجاز بفضل التنسيق المحكم مع وحدات الإسعاف الطبي الاستعجالي (SAMU)، التي تولّت نقل حوالي نصف الحالات، مع ضمان متابعة طبية مبكرة منذ ظهور الأعراض.
وفي المقابل، تم اللجوء إلى العلاج بالأدوية المذيبة للجلطات (thrombolyse) في نحو 9% من الحالات، في حين تم الحفاظ على نسبة وفيات قبل الوصول إلى المستشفى في حدود 1%، وهو معدل منخفض يعكس نجاعة المنظومة وسرعة التدخل.
غير أن أهمية “نجدة” لا تُقاس فقط بالأرقام، بل بما تمثّله من تحوّل نوعي في طريقة إدارة الحالات الاستعجالية. فالمنصة تتيح تشخيصًا عن بُعد، وتُنسّق عمليات توجيه المرضى نحو المراكز المختصة، بما يضمن مسارًا علاجيًا أكثر أمانًا ونجاعة، ويُعزّز في الوقت ذاته من دور الإطار الطبي وقدرته على التدخل في الوقت المناسب.
اليوم، تفرض “نجدة” نفسها كدليل ملموس على أن الصحة الرقمية لم تعد مجرد تصور نظري في تونس، بل أصبحت واقعًا عمليًا قادرًا على إحداث فرق حقيقي في حياة المرضى. كما تفتح هذه التجربة آفاقًا واسعة لتعميم هذا النموذج على مجالات استعجالية أخرى، في أفق بناء منظومة صحية أكثر استجابة، تضمن لكل مواطن حقه في العلاج السريع والناجع، وتُكرّس مبدأ العدالة الصحية الذي ما فتئ الفاعلون في القطاع يؤكدون عليه.
ي ش