قبل خمسة عشر عاما، لفت نسيم المانع الانتباه إلى علاقته بالموسيقى حينما كان طفلا في الثالثة من عمره إذ انتشر على شبكات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يردّد فيه بعفوية عبارة «الزين راهو ڨطع.. ڨطع للسعودية»، في إحالة إلى مغادرة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي تونس سنة 2011.
كان يومها يضرب بيديه الصغيريتين على الدرامز ويختزل لحظة سياسية وتاريخية في جملة ظلّت عالقة في الذاكرة، فيما كشفت عفوية الطفل عن ميل مبكر إلى الموسيقى والإيقاع.
بعد خمسة عشر عاما، يعود نسيم المانع إلى الواجهة، لكن من موقع مختلف، عازف درامز ضمن مجموعة 4ALTF، أحد المشاريع الموسيقية الشابة التي اختارت أيام قرطاج الموسيقية أن تفتح لها أبواب الركح، في مسار يعكس انتقال الموهبة من لحظة عابرة في الذاكرة الجماعية إلى تجربة فنية تسعى إلى بناء هويتها الخاصة.
في عرض امتدّ على نحو أربعين دقيقة، شارك المانع رفقة نديم شيحاوي على البيانو والصوتيات الموسيقية، ويوسف بن خليفة ونادر برقي على الغيتار، وإيهاب زيتوني على الباص، في تقديم مشروع ينطلق من الجاز في اتجاهات أكثر انفتاحا، مستفيدا من تقاطعات الجاز فيوجن والنيو جاز، ومن الإيقاعات المستوحاة من السول، ضمن بناء موسيقي يمنح الارتجال مساحة أساسية في صياغة العرض.
لم يكن حضور نسيم على الركح استعادة لصورة الطفل الذي عرفه الجمهور قبل سنوات، بقدر ما كان مناسبة لمعاينة مسار آخر للموسيقى في حياته.
وتحول الميل الأول إلى ممارسة ممارسة النوسيقى، إلى الانخراط في تجربة جماعية تقوم على التناغم والتفاعل بين الآلات.
وتستمد مجموعة 4ALTF خصوصيتها من لقاء عفوي جمع أفرادها خلال جلسة ارتجال موسيقي سنة 2025، قبل أن تتحول تلك اللحظة إلى مشروع مشترك يسعى إلى تطوير لغة موسيقية تجمع بين التوزيعات التقليدية والإيقاعات المعاصرة، وتستكشف إمكانات الجاز خارج حدوده المألوفة.
وهي تجربة حديثة النشأة، لكنها تمنح أعضاءها مجالا لاختبار قدراتهم، وتطوير مقارباتهم الإيقاعية، والبحث عن شخصية فنية لا تقوم على استنساخ القوالب الجاهزة.
وفي هذا السياق، يعد الدرامز عنصرا فاعلا في بناء الموسيقى وتحديد تحوّلاتها، من لحظات الهدوء والتدرّج إلى المقاطع الأكثر كثافة وحيوية. ومن موقعه داخل المجموعة، يشارك نسيم في تشكيل هذا التوازن، ضمن عرض يقوم على التفاعل بين البيانو والغيتار والباص والدرامز، وعلى ما تتيحه هذه التوليفة من إمكانات للتجريب وتبادل الأدوار الموسيقية.
وبين الطفل الذي ارتبط اسمه بأغنية التصقت بذاكرة التونسيين في لحظة فارقة من تاريخ البلاد، والعازف الذي يشارك اليوم في مشروع موسيقي مستقل، تتجاوز حكاية نسيم المانع حدود المفارقة بين صورة قديمة وحضور جديد.
إنها حكاية زمن مرّ، واهتمام بالموسيقى وجد طريقه إلى شكل آخر من التعبير، بعيدا عن المصادفة التي صنعت الشهرة الأولى، وقريبا من العمل الذي تتطلبه التجربة الفنية.
كما يكتسب حضور 4ALTF في أيام قرطاج الموسيقية أهمية تتجاوز المشاركة في مهرجان، إذ يأتي ضمن توجه يرمي إلى دعم الفنانين الصاعدين وإتاحة الفرصة أمامهم للوصول إلى جمهور أوسع، من خلال عروض مرشحة للانطلاق في جولة بعدد من الجهات التونسية. وهي خطوة تمنح هذه المشاريع فرصة لمواصلة التطور خارج فضاء المهرجان، وبناء علاقة أكثر استمرارية مع الجمهور.
بعد خمسة عشر عاما من انتشار صورته طفلا يغني عن رحيل بن علي، يقف نسيم المانع اليوم أمام الجمهور محاطا بآلات موسيقية وشركاء في التجربة، ليقدّم نفسه عازفا ضمن مشروع يراهن على التجريب والعمل الجماعي. وبين ذاكرة الفيديو وإيقاع الدرامز، تتواصل الحكاية، هذه المرة بلغة الموسيقى نفسها……