في لحظة تقف فيها المنظومة الصحية التونسية على مفترق تحوّلات عميقة، جاء افتتاح الدورة الحادية عشرة لمنتدى رياليتي الدولي للصحة الرقمية، المنعقد من 2 إلى 4 أفريل، ليؤكد أن ما يحدث ليس مجرّد تحديث تقني عابر، بل إعادة تشكيل جذرية المنظومة الصحية.
في هذا السياق، حملت كلمة مدير الصحة وليد نعيجة، نيابة عن وزير الصحة مصطفى الفرجاني، نبرة واضحة تتقاطع مع فكرة أن الثورة التكنولوجية لم تعد خيارًا بل أصبحت القاطرة التي تجرّ نظام الرعاية الصحية نحو أفق جديد، تُعاد فيه صياغة الأولويات والمعايير.
ولقد فرض الذكاء الاصطناعي نفسه، في السنوات الأخيرة، كفاعل مركزي داخل الممارسة الطبية فلم يعد مجرد أداة مساعدة، بل تحوّل إلى “شريك” يرافق الطبيب في أدقّ تفاصيل التشخيص واتخاذ القرار.
من غرف الأشعة حيث تُحلَّل الصور بدقة تفوق العين البشرية، إلى قاعات العمليات حيث تُسهم الخوارزميات في تحسين جرعات التخدير، مرورًا بطب الأسنان والصناعات الدوائية، تتوسّع رقعة الابتكار.
غير أن هذا الاندفاع نحو التكنولوجيا، على ما يحمله من وعود، يطرح في الآن ذاته أسئلة عميقة تتجاوز الجانب التقني. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بكيفية استخدام هذه الأدوات، بل بكيفية تأطيرها ضمن منظومة قيمية تضمن حماية المعطيات الشخصية وتحافظ على الثقة التي تُشكّل جوهر العلاقة بين المريض والطبيب.
من هنا، جاء تأكيد وليد نعيجة على ضرورة إرساء حوكمة صارمة للبيانات الصحية، باعتبارها الشرط الأساسي لأي انتقال رقمي ناجح.
لكن النقطة الأكثر دلالة في هذا الخطاب، تمثّلت في استحضار مفهوم “العدالة الصحية” كأفق استراتيجي للتحوّل الرقمي. فالتكنولوجيا، وفق هذا التصوّر، ليست غاية في حدّ ذاتها، بل وسيلة لتقليص الفوارق المجالية التي طالما وسمت الخارطة الصحية في تونس.
عبر تسهيل تداول المعلومة الطبية وتعميم الوصول إلى الخبرة، يمكن للصحة الرقمية أن تكسر عزلة المناطق الداخلية، وأن تضمن للمواطن، أينما كان، حقًا متكافئًا في العلاج.
إنه رهان على قدرة الرقمنة في إعادة توزيع المعرفة الطبية، وفي تحريرها من قيود الجغرافيا، بما يجعل من المستشفى الافتراضي امتدادًا حقيقيًا للمرفق العمومي التقليدي.
وهنا، يتجاوز المشروع بُعده الصحي ليصبح مشروعًا مجتمعيًا يلامس جوهر العدالة والإنصاف.
هذا التوجّه، الذي يندرج ضمن رؤية أوسع تحمل عنوان “الصحة 4.0”، لا يكتفي باستيراد الحلول الجاهزة، بل يراهن على الكفاءات المحلية باعتبارها رافعة أساسية للابتكار. فالرهان على الشركات الناشئة والشباب المبدع يعكس إرادة في بناء سيادة رقمية صحية، قادرة على إنتاج حلول تتلاءم مع الخصوصيات الوطنية، بدل الارتهان لنماذج مستوردة قد لا تستجيب لحاجيات الواقع التونسي.
بين تحديث البنية التحتية الصحية وتعزيز البحث والابتكار، تسعى تونس إلى رسم ملامح موقع جديد لها داخل الخارطة المتوسطية، ليس فقط كمستهلك للتكنولوجيا، بل كفاعل قادر على المساهمة في صياغة مستقبل الطب.
هكذا، لا يبدو المنتدى الدولي للصحة الرقمية مجرد تظاهرة ظرفية، بل فضاءً للتفكير الجماعي في أسئلة كبرى من قبيل كيف يمكن للتكنولوجيا أن تُعيد إنسانية الطب بدل أن تُجرّده منها؟ وكيف يمكن للرقمنة أن تكون أداة للإنصاف، لا عاملًا جديدًا من عوامل التفاوت؟
في قلب هذه الأسئلة، تتبلور معالم مرحلة جديدة، تُختبر فيها قدرة السياسات الصحية على التوفيق بين الابتكار والعدالة، وبين السرعة التي تفرضها التكنولوجيا والعمق الذي تتطلبه القيم.
ي.ش