قال الكاتب والمخرج المصري، باسل لبيب رمسيس، خلال مشاركته في لقاء فكري بمناسبة الاحتفاء بذكرى مئوية المخرج السينمائي “العالمي” يوسف شاهين، إن “كل فعل ثقافي جاد، رواية كان أم شريطا سينمائيا أم مسرحية، هو عملية مقاومة وخطوة مهمة إلى الأمام لأننا نعيش مرحلة انهيار على جميع المستويات وخصوصا على المستوى الثقافي”. كما اعتبر ضيف الجامعة التونسية لنوادي السينما، فرع سوسة، أنه “لا يوجد لما يسمى بسينما الجنوب أو السينما الافريقية” بقدر وجود عدة “سينمات” مختلفة ومتنوعة.
يوسف شاهين : الحالة الفريدة في السينما المصرية
ويرى صاحب كتاب “صرخة قناوي الأخيرة: هاوريكم” الذي تم تقديمه خلال هذا اللقاء المنتظم مساء اليوم الاربعاء 29 أفريل بمدرج المعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة بالتعاون مع مؤسسة “روزا لكسمبورغ” – مكتب شمال أفريقيا، وجامعة سوسة، أن فيلم “باب الحديد” الذي تم عرضه خلال اللقاء، مثل “مشكلة كبيرة” للمخرج العالمي يوسف شاهين حيث أنه تسبب له في العديد من المضايقات السياسية والشعبية أيضا.
واعتبر أن ما حزّ في نفس شاهين أن “النقاد لم يفهموا شخصية قناوي” حينها رغم أن الفيلم قد حقق فيما بعد نجاحا جماهيريا لافتا وكان من بين أكثر الأفلام برمجة في القنوات المصرية والعربية أيضا.
ولعل شخصية يوسف شاهين المشاغبة جعلته يتعرض الى العديد من الأزمات الى حد التفكير في وضع حد لمساره الفني بحسب باسل لبيب رمسيس الذي اعتبر أنه من الطبيعي أن يتعرض سينمائيون مثل شاهين وتوفيق صالح وشادي عبد السلام والطاهر شريعة وغيرهم “إلى سلطة الرقابة”.
وشدد الكاتب والمخرج المصري على أن يوسف شاهين يعتبر “نموذجا فريدا ونادرا في السينما المصرية والعربية” حيث نجح في أن يكون “مؤسسة بديلة تعمل بالتوازي مع الدولة لانتاج الاعمال السينمائية والترويج لها” ولكن أيضا في تكوين و”انتاج” مخرجين سينمائيين. ومن بين ميزات شاهين أنه وظف “أوجاعه الشخصية وهمومه” وحولها الى أعمال سينمائية ناجحة وهو، في نظر رمسيس، استخدم ما يمكن تسميته بـ”السينما الذاتية” وليس “السيرة الذاتية” كما يروج البعض لذلك.
من أجل نفس نضالي جديد
من جانبه قال الرئيس السابق للجامعة التونسية لنوادي السينما، حسن عليلش، خلال مداخلته بعنوان “يوسف شاهين في رحاب الطاهر شريعة”، إن لمؤسس مهرجان أيام قرطاج السينمائية فضل كبير في ظهور اسم شاهين وكانت تونس بوابته نحو التألق والعالمية. وشدد عليلش على أنه من الأهمية بمكان أن يكون الجيل الجديد على بينة من الدور الكبير الذي لعبه الرجلان في مصر وتونس في تنمية الفعل السينمائي. حيث أن بدايات شاهين وشريعة كانت مع حصول دول الجنوب على الاستقلال. وعلى الرغم من تباين الطرق في البداية إلا ان شاهين وشريعة الذين ربطتهما “علاقة ايديولوجية” حيث كان يعتبران أن الاستقلال الحقيقي هو الاستقلال الفكري والثقافي فطفِقا يعملان كل بطريقته ومنهاجه على مشروع توحيد الأفارقة وبلدان الجنوب حول سينما موحدة. غير أن هذا المشروع فشل بحسب حسن عليلش في خضم انعدام وجود تبادل سينمائي إلا في المناسبات الكبرى.
وفي هذا السياق عاد عليلش على المسار الطويل والشاق للطاهر شريعة في سبيل تحرير السينما من الهيمنة الأجنبية خصوصا في ظل وجود شركات إنتاج امريكية وغربية تهيمن على القطاع وهو ما حدا بمؤسس ايام قرطاج السينمائية الى الدعوة الى “خلق منظومة انتاج وطني” لا على الصعيد المحلي فحسب بل أيضا على مستوى دول الجنوب في افريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية. وهنا استحضر عليلش الحيثيات التي حفّت بظهور “تيار فكري كامل” ينادي بالاستقلالية الفكرية ودعم سينما الجنوب من ذلك “Le Manifeste d’Alger” . وأشار عليلش الى أن الطاهر شريعة لطالما نادى بتوحيد السينمائيين الأفارقة وخلق فضاء سينمائي خاص بالمنطقة العربية.
على صعيد آخر اعتبر حسن عليلش أن يوسف شاهين وغيره من السينمائيين من أبناء جيله نجحوا في بعث جيل جديد من المخرجين الذين تمكنوا من ارساء سينما بديلة معتبرا أنه بالرغم من هيمنة السينما التجارية الا أن “السينما البجيلة في مصر بخير”. واستحضر عليلش في هذا السياق بعض الأفلام التي شدت إليها الانتباه مؤخرا سواء في أيام قرطاج السينمائية مثل “قصص” أو ضمن فعاليات الدورة 15 لمهرجان سوسة الدولي لفيلم الطفولة والشباب.
غير أن هذه السينما تبقى على حد تعبير حسن عليليش “مهددة” ومستقبلها “لا يبشر بخير” في ظل انتشار المليارات من الصور وتبادلها على مختلف المنصات وهو ما حدا به الى الدعوة الى ارساء “نفس نضالي جديد من أجل الدفاع عن السينما العربية والافريقية”.
صراع يوسف شاهين مع السلطة والتابوهات
تجدر الاشارة الى أن باسل رمسيس قدم في كتابه “صرخة قناوي الأخيرة.. هاوريكم”، الذي كان محور هذا اللقاء، قراءة سيميائية وتاريخية معمقة للسيرة السينمائية للمخرج يوسف شاهين، حيث يمتد هذا العمل على مدار خمسمائة صفحة وسبعة عشر فصلاً فكك من خلالها معالم هذه المسيرة وارتباطاتها العضوية بالتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها مصر والعالم العربي بين عامي 1950 و2007. ولا يكتفي الكتاب بكونه رصداً فنياً أو سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، بل يتجاوز ذلك ليصبح بحثاً رصيناً في التاريخ الثقافي المصري، مستخدماً سينما شاهين كمرآة تعكس تطور الرؤية الذاتية وطرق الحكي، ومنتهجاً ما وصفه الكاتب بـ “سينما المرجعية الذاتية” التي تذوب فيها الفوارق بين التجربة الشخصية للمبدع ومنجزه الفني وسياقه التاريخي.
وقد استغرق هذا المشروع البحثي ثماني سنوات من التنقيب في أرشيف ضخم من الصحف والمجلات واللقاءات النادرة، مما أتاح لرمسيس تقديم صورة بانورامية شاملة تشمل جرد مكتبة شاهين السينمائية وتسليط الضوء على أعمال مجهولة أو أقل تداولاً في مسيرته. كما يغوص الكتاب في تحليل علاقة شاهين الشائكة والمعقدة مع السلطة بمختلف تجلياتها، سواء كانت سلطة سياسية تأرجحت مواقفه تجاهها بين الدعاية والنقد، أو سلطات اجتماعية وأخلاقية ودينية اصطدم بها في طرحه الجريء لقضايا الحرية والديمقراطية والجنس، ليؤكد في النهاية أن سينما يوسف شاهين لم تكن مجرد شريط سينمائي بل كانت مشروعاً نضالياً وحالة فريدة من “المؤسسة البديلة” التي عملت بالتوازي مع الدولة لترسيخ استقلال ثقافي وفكري حقيقي.