في إطار أشغال الدورة الثامنة والعشرين للمنتدى الدولي لرياليتي، المنعقد يومي 5 و6 نوفمبر 2026 بنزل الحمراء ثالاسو بياسمين الحمامات، دعا رئيس كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية (كونكت)، أصلان بن رجب، إلى الانتقال بالشراكة الصناعية بين تونس وأوروبا إلى مرحلة جديدة، تقوم على الإنتاج المشترك وتطوير القدرات التكنولوجية وتعزيز القيمة المضافة محليا، بدل الاكتفاء بدور المناولة ضمن سلاسل الإنتاج الأوروبية.
وأكد بن رجب، في مداخلته أمام عدد من الصناعيين والشركاء الأوروبيين، أن تونس تمتلك فرصة للتحول إلى شريك صناعي أكثر تكاملا، لا يقتصر دوره على توفير اليد العاملة والقدرات الإنتاجية، ويمتد إلى التصميم والتحكم التكنولوجي والمساهمة الفعلية في تطوير المنتجات.
واعتبر أن هذا التوجه يستجيب أيضا لحاجة أوروبية متزايدة إلى تنويع مصادر التزود وتعزيز قدراتها الإنتاجية من خلال شراكات قريبة وتنافسية.
وفي هذا السياق، قدم رئيس “كونكت” ثلاثة مقترحات اعتبرها أساسية للارتقاء بالتعاون الصناعي التونسي الأوروبي.
تطوير النسيج الصناعي القائم وتوسيع وظائفه
وتتمثل المقترحات الأولى في البناء على ما وصفه بن رجب بـ”الثلاثي الصناعي القائم على الثقة”، ويشمل قطاعات النسيج وصناعة السيارات والصناعات الجوية، وهي قطاعات راكمت فيها تونس خبرة معتبرة من خلال علاقاتها الممتدة مع المؤسسات الأوروبية، وما أفرزته من كفاءات فنية وهندسية ومؤسسات قادرة على الاستجابة لمتطلبات الجودة والمعايير الدولية.
وشدد على أن المرحلة المقبلة تقتضي تجاوز الوظائف الإنتاجية التقليدية نحو أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، من خلال تطوير صناعة مكونات السيارات وتجهيزاتها، والتوجه نحو مستلزمات التنقل الجديد، إلى جانب تعزيز قدرات قطاع النسيج في تطوير المنتجات والمنسوجات التقنية والتتبع واعتماد أساليب إنتاج أكثر اقتصادا في الموارد.
أما في قطاع الصناعات الجوية، فيرى بن رجب أن الفرصة تكمن في الانتقال إلى عمليات أكثر تعقيدا وتطوير الخدمات الفنية وإسناد المؤسسات التونسية مسؤوليات أوسع ضمن سلاسل الإنتاج.
واعتبر أن تحقيق هذا التحول يستوجب مرافقة من السياسات العمومية، عبر تحديد الكفاءات التي تحتاجها المؤسسات والتجهيزات الضرورية والمعايير الواجب التحكم فيها ومصادر التمويل الممكن تعبئتها.
توضيح موقع تونس في السياسة الصناعية الأوروبية
أما المقترح الثاني، فيتعلق بضرورة تحديد موقع تونس ضمن التحولات التي تشهدها السياسة الصناعية الأوروبية، وخاصة توجه الاتحاد الأوروبي نحو الحد من بعض التبعيات الاستراتيجية وتنويع مصادر التزود، ولا سيما في علاقته بالصين.
وفي هذا الإطار، اعتبر بن رجب أن القرب الجغرافي والقدرات الإنتاجية التونسية يمكن أن يجعلا من البلاد شريكا في تأمين سلاسل التزود الأوروبية، شرط تحويل هذه الإمكانات إلى عروض صناعية واضحة ومحددة، تتضمن القدرات المتاحة وحجم الإنتاج الممكن وآجال الإنجاز ومدى الاستجابة للمتطلبات الفنية.
كما دعا إلى مزيد من الوضوح بشأن القواعد الأوروبية المنظمة للمحتوى الصناعي وشروط الاستفادة من بعض آليات الأفضلية الأوروبية، مستشهدا بمكونات تصنع في تونس وتدمج في سيارات يتم تجميعها في أوروبا، ومؤكدا ضرورة تحديد كيفية احتساب هذه المكونات ضمن الآليات المعنية والوثائق التي يتعين توفيرها لإثبات مصدرها.
واقترح في هذا السياق الانطلاق من حالات تطبيقية محددة، بالتنسيق مع الصناعيين المعنيين، بما يسمح بتوضيح موقع الإنتاج التونسي داخل سلاسل القيمة الأوروبية ويمنح المؤسسات رؤية أكثر استقرارا بشأن فرصها المستقبلية.
عروض استثمارية حسب الاختصاصات والمناطق
ويتصل المقترح الثالث بتنظيم الشراكة الصناعية وفق مقاربة قطاعية وترابية، من خلال إعداد عروض استثمارية متكاملة لفائدة الشركاء الأوروبيين، تقوم على تحديد الإمكانات الحقيقية لكل منطقة في مختلف الاختصاصات الصناعية.
وأوضح بن رجب أن المستثمرين الراغبين في التوجه إلى تونس، سواء في قطاعات السيارات أو الصناعات الجوية أو الصناعات الغذائية وغيرها، يبحثون عن منظومات متكاملة تضم الكفاءات البشرية والمناطق الصناعية والمزودين ومراكز التكوين والتجارب والخدمات اللوجستية والشركاء القادرين على تطوير المنتجات.
غير أن مسار المستثمر، وفق تقديره، مازال يرتبط في كثير من الأحيان بطبيعة الجهات التي يتعامل معها وبالمعلومات المتاحة والحلول التي يتم التوصل إليها حالة بحالة.
ومن هذا المنطلق، دعا إلى إعداد عروض ترابية مشتركة مع الشركاء الأوروبيين، تستند إلى قدرات فعلية ومثبتة في كل قطاع، وتقدم للمستثمر صورة واضحة عن المؤسسات والكفاءات والبنية التحتية والاحتياجات والمشاريع الممكنة، مؤكدا أن البعد الترابي للشراكة ينبغي أن يحظى بالعناية نفسها التي تحظى بها الجوانب المالية.
وفي جانب آخر من مداخلته، توقف بن رجب عند مسؤولية أصحاب المؤسسات والهياكل المهنية في دفع هذا التحول، مشيرا إلى أن العلاقات المستقرة مع المؤسسات الأوروبية الموردة مكّنت العديد من الشركات التونسية من الاستثمار وإحداث مواطن الشغل وتجاوز الأزمات، غير أن ضمان استمرارية الطلبيات قد يؤدي أحيانا إلى تأجيل الاستثمار في تطوير القدرات التجارية والتقنية، بما يجعل الانتقال إلى مراحل إنتاجية أكثر تقدما أقل إلحاحا.
ولم يستبعد رئيس “كونكت” إمكانية توسيع هذه المقاربة لتشمل قطاعات صناعية جديدة، من بينها الصناعات البحرية، مستحضرا الاستراتيجية الصناعية البحرية التي قدمتها المفوضية الأوروبية خلال السنة الحالية، والتي تشمل بناء السفن وتجهيزها وصيانتها وتحديثها.
واعتبر أن الخبرات التونسية المتراكمة في مجالات التوصيلات الميكانيكية والهندسة يمكن أن تجد امتدادات لها في هذا المجال، شريطة ربطها بالحاجيات الفعلية للمجهزين البحريين وأحواض بناء السفن والمصنعين الأوروبيين.
وتضع هذه المقترحات، وفق تصور بن رجب، مسألة الشراكة التونسية الأوروبية أمام استحقاق يتجاوز المحافظة على العلاقات الصناعية القائمة، نحو إعادة تحديد طبيعتها ووظائفها، بما يتيح لتونس الانتقال من موقع المساهم في الإنتاج إلى موقع الشريك في تطويره وصناعة قيمته المضافة.