لا تحتاج الفنانة أمينة فاخت إلى كثير من المقدمات كي ندرك أنها حالة فنية لا تتكرر وأن حضورها على أركاح المهرجانات غير قابل للاستنساخ.
يكفي أن تظهر أمام جمهورها حتى تنشئ علاقة مختلفة بينها والمكان، بين صوت يعرفه الناس منذ عقود وجمهور يحفظ تفاصيله كما يحفظ أغنياته.
وعلى مختلف المسارح، لا ينتظر الجمهور أمينة فاخت ليصغي إلى مجموعة من الأغاني بقدر ما ينتظر أن يرى أمينة فاخت نفسها.
أمينة فاخت الكائن الفني الذي لا يشبه إلا ذاته، والذي يصعب اختزاله في صوت أو مدونة أو مسار موسيقي، حالة لا يمكن استعادتها بالنسخ، ولا نقلها من مسرح إلى آخر بالتفاصيل نفسها، ولا حتى ضمان تكرارها في الحفل نفسه.
فحين تصعد أمينة إلى المسرح، تتجلى مشاهد غير مكتوبة سلفا، وعلى إيقاعها يصبح اللقاء بين الفنانة والجمهور هو النص الحقيقي للسهرة.
وفوق الخشبة تبدو أمينة فاخت في مساحتها الطبيعية، فهي لا تؤدي الأغاني فقط، إنما تدخل في حالة من التماهي الكامل مع المكان. جسدها يتحرك كما لو أنه جزء من الموسيقى، ونظراتها تلاحق الجمهور وتستدعيه، وابتسامتها تفتح جسورا لا تحتاج إلى كلمات، فيما تتحول اليدان والخطوة والالتفاتة وحتى لحظات السكون إلى مفردات في لغة جسد خاصة بها.
أمينة فاخت لا تغني الأغنية بقدر ما تسكنها، تتحرك داخلها، تخرج منها، تعود إليها، وتترك للجسد أن يقول ما تعجز الكلمات عن قوله. والموسيقى في قاموسها ليست إطارا يحيط بالأداء، هي فضاء تتحرك فيه بحُرية، تختبر حدوده ثم تتجاوزها، ومن هنا يأتي تمردها.
فهي لا تبدو معنية كثيرا بأن يكون الركح مساحة للانضباط الكامل، إنها تقترب من الفوضى الجميلة التي تمنح الأداء حياته، وتترك لنفسها هامشا واسعا للمباغتة والارتجال.
قد تنسجم مع الفرقة، وقد تتقدم عليها، وقد تتوقف فجأة لتخاطب جمهورها، وقد تترك الموسيقى لحظة كي تملأ المكان بحضورها وحده، في تمرد يعد احد أهم ملامح شخصيتها الفنية.
وهي لا تبدو مرتاحة حين توضع داخل قالب جاهز، ولا حين يُطلب منها أن تسير في خط مستقيم من بداية الحفل إلى نهايته.
أمينة تحتاج إلى تلك المساحة التي تسمح لها بأن تكون حرة، وأن تتبع إحساسها اللحظي، وأن تترك للمسرح إمكانية أن يفاجئها مثلما تفاجئه.
ولهذا يصعب أن يكون عرضها نسخة طبق الأصل عن عرض سابق، حتى أمينة نفسها لا تستطيع أن تستنسخ أمينة التي كانت بالأمس.
هذه الفنانة لا تعتمد في حضورها على الحركة المحفوظة أو الأداء المكرر، وإنما على تلك الكيمياء التي تتشكل في اللحظة بين جسدها والموسيقى والجمهور والمكان.
وما إن يتغير أحد هذه العناصر حتى تتغير الحالة كلها ولكنها تظل متشبثة بروحها المارقة عن كل الأطر، فالجمهور بالنسبة إليها ليس كتلة صامتة تجلس في المدرجات.
إنه طرف أساسي في صناعة العرض، تتأمله، تستدرجه إلى مشاركتها، تتبادل معه النظرات والابتسامات والكلمات، وتترك له مساحة كي يصبح جزءا من المشهد.
وحين يتجاوب معها، لا تكتفي أمينة بتلقي ذلك التفاعل، بل تبني عليه وتذهب به أبعد.
هي على الخشبة، لكن الجمهور يتحرك معها، تضحك فيضحك، وتشير فيستجيب، وترفع منسوب الانفعال فيرتفع معها، وحين تهدأ يهدأ. وكأن المسافة بين الخشبة والمدرجات تختفي تدريجيا، فلا يعود هناك جمهور يتلقى وفنانة تؤدي، بل حالة واحدة تتنفس في اتجاه واحد.
وهذه القدرة على التماهي مع الجمهور هي واحدة من أسرار استمرار أمينة فاخت في الذاكرة، رغم فترات الغياب ورغم محدودية الإنتاج.
فالحضور الذي صنعته لم يكن قائما على كثافة الظهور، وإنما على عمق الأثر. وبينما يحتاج فنانون إلى الحضور المتواصل حتى لا تغيب صورتهم، تستطيع أمينة أن تختفي طويلا ثم تعود فتجد أن العلاقة لم تنقطع.
لأن الجمهور لا ينتظر منها أغنية جديدة، إنه ينتظر تلك الشخصية التي يعرف أنها ستفعل شيئا لا يمكن التنبؤ به.
قد تكون مجنونة في لحظة، هادئة في أخرى، ساخرة، مشاكسة، شديدة الانفعال أو شديدة العفوية، لكنها في كل الحالات لا تبدو مصطنعة، وما جعلها مختلفة أنها لا تؤدي العفوية، إنما تعيشها.
حتى جسدها لا يخضع دائما للمنطق الكلاسيكي في الأداء، لا تتحرك لتزيين الغناء، وإنما يتحول جسدها نفسه إلى أداة تعبير، تمشي، تلتفت، تنحني، تقترب، تتراجع، تواجه جمهورا ثم تترك نظرتها معلقة في جهة أخرى.
في تجربتها، للجسد ذاكرة ولغة وإيقاع، وهو ما يخوّل النظر إلى أمينة فاخت باعتبارها فنانة تكتب على الخشبة بوسائل متعددة، بالصوت، بالجسد، بالنظرة، بالصمت، بالابتسامة وبالارتجال.
وهي لا تقدم عرضا موسيقيا بالمعنى التقليدي، إنها تصنع فرجة كاملة، تتداخل فيها الموسيقى مع المسرح ومع الأداء الحي.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن أمينة لا تحاول إثبات أي شيء، لا تثبت أنها قادرة على الغناء، ولا أنها ما زالت قادرة على جذب الجمهور، ولا أنها تنتمي إلى زمن معين، إنها تصعد على الركح فقط وتكون أمينة.
وهذه البساطة الظاهرة هي في الحقيقة واحدة من أكثر الأشياء صعوبة في الفن، أن تصل إلى مرحلة يصبح فيها حضورك وحده كافياً لصناعة الانتظار.
وفي كل المسارح يعرف الجمهور أنه أمام فنانة لا يمكن استنساخها، قد تختلف الآراء حول الإنتاج والأداء، وقد تُرصد بعض الهنات، وقد لا يسير العرض دائماً وفق الإيقاع المتوقع، لكن كل ذلك يبقى في مرتبة ثانية أمام حقيقة أكثر رسوخاً وهي أن أمينة فاخت لا تضاهي ما تغنيه، وإنما ما تخلقه حين تغني.
فهي تدخل المسرح لتعيد تشكيله، وتحوله إلى مساحة شخصية، إلى عالم تتحرك فيه بحرية، إلى امتداد لجسدها ومزاجها وذاكرتها.
والمسرح لا يستوعبها تماما، فهي تحتاج دائما إلى أن تتجاوزه، أن تتمرد على حدوده، وأن تفتح بين الخشبة والجمهور مسافة جديدة، وهنا يكمن سر استثنائيتها.
والفنان القابل للاستنساخ يمكن تقليد صوته أو مظهره أو طريقته في الأداء، أما أمينة، فإن محاولة تقليدها ستقود في النهاية إلى تقليد السطح فقط، لأن جوهرها موجود في شيء لا يمكن نقله وهو تلك اللحظة التي تتماهى فيها مع المسرح، ثم تذوب في جمهورها، ثم تستعيد نفسها من جديد.
وهي لا تملك وصفة للحضور، لأنها هي الوصفة، ولا تكرر نفسها، لأنها في كل لقاء تُعيد اكتشافها.