على ضوء تسارع التحولات الجيوسياسية وتداخل الأزمات الاقتصادية والمناخية والأمنية، لا يمكن النظر إلى الفضاء المتوسطي باعتباره مجالا جغرافيا تتقاطع فيه المصالح الأوروبية والعربية، أو اختزاله في معادلات الهجرة والأمن وإدارة الأزمات. فالمتوسط الذي كان على امتداد التاريخ فضاءً للتبادل والتفاعل الحضاري، يجد نفسه اليوم أمام ضرورة إعادة تعريف علاقاته وشراكاته، في عالم تتغير فيه موازين القوة وتتبدل فيه أولويات التعاون الدولي.
من هذا المنطلق، اختارت الدورة الثامنة والعشرون للمنتدى الدولي لمجلة رياليتي المنعقدة يومي 5 و6 نوفمبر 2026 بالحمامات، أن تضع “تونس والاتحاد الأوروبي: الميثاق من أجل المتوسط في مواجهة الصدمات العالمية” في صدارة نقاشاتها.
وتفتح هذه الدورة ملفاً يتجاوز حدود العلاقات الثنائية نحو سؤال أوسع يتعلق بموقع بلدان الجنوب في هندسة الفضاء المتوسطي الجديد، وبقدرتها على الانتقال من موقع المتلقي للسياسات والبرامج إلى موقع الشريك في صياغتها وتنفيذها.
في كلمته الافتتاحية، أعاد الطيب الزهار، رئيس المنتدى الدولي لمجلة رياليتي التأكيد على أن اختيار هذا الموضوع ليس منفصلاً عن مسار النقاش الذي انطلقت منه الدورة السابقة، والمتمحور حول مستقبل العلاقات التونسية الأوروبية وضرورة تجاوز المقاربات التقليدية للتعاون.
فالعلاقة بين تونس والاتحاد الأوروبي، بما تختزنه من روابط تاريخية وإنسانية وثقافية واقتصادية، مازالت، وفق هذا التصور، دون الإمكانات التي تتيحها جغرافيتها ومقدراتها البشرية والاقتصادية.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت تونس تحتاج إلى شراكة أوروبية متجددة، بل أي شراكة تريد، وبأي شروط يمكن أن تتحول هذه العلاقة من ارتباط تاريخي واقتصادي وثيق إلى مشروع متكافئ تتحدد أولوياته على أساس المصالح المتبادلة؟
من الوعود السياسية إلى امتحان التنفيذ
يمثل الميثاق الجديد من أجل المتوسط، الذي قدمته المفوضية الأوروبية في أكتوبر 2025 وأُطلق في برشلونة بمشاركة الشركاء المتوسطيين، إطاراً جديداً لإعادة بناء التعاون بين ضفتي المتوسط. وهو يقوم على ثلاثة محاور رئيسية تشمل التنمية البشرية والتكوين والتنقل، وتعزيز الاقتصادات المستدامة والمترابطة، إلى جانب التعاون في مجالات الأمن والاستعداد للأزمات وإدارة الهجرة.
غير أن أهمية هذا الإطار لا تقاس فقط باتساع الأهداف التي يعلنها، وإنما بقدرته على إحداث تغيير ملموس في واقع العلاقات بين الشمال والجنوب. ذلك أن تاريخ التعاون الأورومتوسطي حافل بالمبادرات والاتفاقيات والإعلانات الكبرى، من مسار برشلونة الذي انطلق سنة 1995 إلى مختلف الصيغ التي تعاقبت عليه، دون أن تنجح جميعها في تحقيق التوازن المنشود أو تحويل الوعود إلى نتائج تتناسب مع حجم الرهانات.
ومن هنا تبرز إحدى أهم الرسائل التي حملها خطاب افتتاح المنتدى، لم يعد كافياً الاحتفاء بالطموحات المعلنة، إذ أصبح من الضروري مساءلة آليات تنفيذها. وقد أشار الطيب الزهار إلى خطة العمل الأولى التي قُدمت في أفريل 2026، والمتضمنة 21 مبادرة، باعتبارها خطوة تستوجب الانتقال إلى تقييم المشاريع المقترحة، وتحديد مصادر تمويلها وآجال إنجازها والمسؤوليات المرتبطة بها.
وهي مقاربة تضع الميثاق أمام امتحان الفاعلية، من خلال جملة من الأسئلة من قبيل ما المشاريع القادرة فعلاً على تحويل اقتصادات المنطقة؟ وما حجم التمويلات المرصودة لها؟ وكيف ستوزع المسؤوليات بين الأطراف؟ وأي دور سيُمنح للمؤسسات الاقتصادية والجامعات والشباب ومكونات المجتمع المدني؟
لكن السؤال الأكثر حساسية يظل متعلقاً بطبيعة مشاركة بلدان الضفة الجنوبية: هل ستكون طرفاً في تحديد الأولويات وصياغة البرامج، أم ستظل في موقع المستفيد من سياسات تُصاغ خارج حدودها؟
إن جوهر الشراكة لا يكمن في تعدد المبادرات أو حجم التمويلات وحدهما، وإنما في طبيعة العلاقة التي تنتجها، وفي مدى قدرتها على الاعتراف بمصالح الأطراف جميعاً وخصوصياتها وأولوياتها التنموية.
تونس… من شريك جغرافي إلى فاعل استراتيجي
بالنسبة إلى تونس، لا يتعلق الأمر بفرصة تعاون إضافية بقدر ما يتعلق بإعادة تحديد موقعها في معادلة المتوسط. فالقرب الجغرافي من أوروبا، وكثافة المبادلات الاقتصادية، والروابط الإنسانية والثقافية، إلى جانب ما يمتلكه البلد من كفاءات بشرية وإمكانات صناعية وتكنولوجية، تمثل عناصر يمكن البناء عليها لتطوير علاقة أكثر اتساعاً من المقاربات التي ظلت تحصر الشراكة في ملفات بعينها.
وفي هذا السياق، شدد رئيس المنتدى على ضرورة عدم اختزال تونس في صورة الشريك المرتبط بملفات الهجرة والأمن، أو النظر إليها باعتبارها امتدادا جغرافي للفضاء الأوروبي. فالمطلوب أن تكون شريكاً استراتيجياً قادراً على المساهمة في تحديد الخيارات وصناعة المشاريع، لا طرفا يتلقى المقترحات أو ينتظر التمويلات.
وتكتسب هذه الدعوة أهميتها من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وما تفرضه من إعادة ترتيب لسلاسل القيمة والإنتاج، والبحث عن فضاءات جديدة للاستثمار والتصنيع، فضلاً عن تسارع التحول الطاقي والرقمي. وهي تحولات تتيح لتونس إمكانات للمشاركة في بناء منظومات إنتاج مشتركة، وتطوير التعاون في مجالات الطاقات المتجددة والبحث العلمي والابتكار والتكوين.
غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى مكاسب فعلية يقتضي أكثر من إعلان الرغبة في الشراكة. فهو يستدعي رؤية اقتصادية واضحة، وتحديداً للأولويات الوطنية، وتهيئة مناخ الاستثمار، وتطوير البنية التحتية والقدرات الإنتاجية، فضلاً عن القدرة على التفاوض حول مشاريع تحقق قيمة مضافة للاقتصاد التونسي.
فالمسألة ليست في أن تكون تونس حاضرة في المبادرات الأوروبية، وإنما في طبيعة ما يمكن أن تجنيه منها، وفي قدرتها على التأثير في اتجاهاتها بما يخدم مسارها التنموي.
المتوسط… فضاء للفرص بعيدا عن جغرافيا للأزمات
ومن بين الأفكار المركزية التي توقف عندها خطاب الافتتاح ضرورة تغيير النظرة إلى المتوسط، الذي طالما هيمنت على مقاربته السياسية ملفات الهجرة والتوترات الجيوسياسية والتفاوت الاقتصادي وعدم الاستقرار.
لا ينكر هذا التصور ثقل التحديات الأمنية والاجتماعية التي تواجه المنطقة، لكنه يرفض أن تتحول إلى المحدد الوحيد للعلاقات بين ضفتيها. فالمتوسط، وفق الرؤية التي طرحها المنتدى، فضاء لتداول المعرفة والكفاءات والاستثمارات، ومجال للتكامل الاقتصادي والطاقي، كما أنه منطقة تتطلب تحدياتها البيئية والمناخية والاجتماعية حلولاً مشتركة.
ولعل استعادة البعد الإنساني والحضاري للمتوسط تمثل مدخلاً ضرورياً لإعادة بناء هذه الرؤية. فالتاريخ الذي صنعته حركة العبور والتبادل والتأثير المتبادل بين شعوبه يقدم شواهد على أن الاختلاف لم يكن بالضرورة مصدر انقسام، بل كان في محطات كثيرة رافعة للإبداع والتقدم.
وإن نجاح الميثاق الجديد لن يُقاس بقدرته على إدارة الحدود أو احتواء الأزمات فحسب، إنما بمدى نجاحه في بناء فضاء تتكامل فيه الاقتصادات وتتقارب فيه الفرص، وتكون فيه التنمية المشتركة أساساً للعلاقة بين الشمال والجنوب.
منتدى لا يكتفي بالنقاش
ولا يقتصر الرهان الذي طرحه الطيب الزهار على مضمون الدورة الحالية، ويتصل أيضاً بالدور الذي يمكن أن يضطلع به المنتدى الدولي لمجلة رياليتي في متابعة مسار الميثاق خلال السنوات المقبلة.
فبعد 28 دورة منذ انطلاقه سنة 1998، يطمح المنتدى إلى تجاوز وظيفة اللقاء السنوي الذي يجمع المسؤولين والخبراء وصناع القرار، نحو التحول إلى فضاء دوري مستقل لمتابعة الالتزامات وتقييم مدى تقدمها، ولا سيما في ما يتعلق بانعكاساتها على تونس.
وتقوم هذه المبادرة على فكرة إرساء تقليد سنوي للتقييم، تُرصد من خلاله التعهدات المعلنة، وتُقاس النتائج المحققة، وتُحدد العراقيل التي تحول دون تنفيذ المشاريع، مع إبراز التجارب التي نجحت في الانتقال من التصور إلى الإنجاز.
وهي خطوة تمنح النقاش الإعلامي والفكري وظيفة تتجاوز مواكبة الأحداث إلى مساءلة السياسات العامة والمساهمة في بناء الوعي بالخيارات الاستراتيجية. فالمنتدى، وفق هذا التوجه، لا يطمح إلى الحلول محل المؤسسات، وإنما إلى ممارسة دوره باعتباره فضاءً مستقلاً للحوار والتحليل، يقرّب بين الفاعلين ويضع الالتزامات أمام محك النتائج.
وهنا تستعيد الدورة الثامنة والعشرون جزءاً من الفلسفة التي تأسس عليها المنتدى منذ سنة 1998، والقائمة على اعتبار النقاش الحر وتعدد وجهات النظر شرطاً من شروط بناء المستقبل، لا ترفاً فكرياً مؤجلاً إلى أوقات الاستقرار.
من ضفة إلى أخرى… شراكة تحتاج إلى إرادة متبادلة
بين طموح الميثاق الجديد وتعقيدات الواقع المتوسطي، تبدو تونس أمام فرصة لإعادة طرح موقعها في شبكة العلاقات الدولية والإقليمية، لكن هذه الفرصة تظل مشروطة بقدرتها على بلورة تصور واضح لمصالحها، وبمدى استعداد الجانب الأوروبي للتعامل مع بلدان الجنوب باعتبارها أطرافاً متساوية في صياغة المستقبل المشترك.
فالشراكة التي لا تقوم على التوازن تظل عرضة لإعادة إنتاج الاختلالات القديمة، مهما تغيرت عناوينها أو تعددت برامجها. كما أن التعاون الذي لا يترجم إلى استثمارات وفرص عمل ونقل للمعرفة وتكامل إنتاجي سيظل محدود الأثر في اقتصادات المنطقة ومجتمعاتها.
والرهان الحقيقي الذي تضعه الدورة الثامنة والعشرون للمنتدى الدولي لمجلة رياليتي على طاولة النقاش لا يتعلق بالميثاق في حد ذاته، وإنما بما يمكن أن يفتحه من إمكانات.