بقلم د. محمد قنطاره
كثيرا ما يتذمر المواطن من ارتفاع أسعار المحلات المعدة للسكن والتي ما انفكت تعرف تضخما. يعود الأمر حسب المتابعين للشأن العقاري في بلادنا إلى أسباب مختلفة يصعب تجاوز الكثير منها لأسباب هيكلية في الوقت الحاضر. والحل يكمن في يد الدولة التي يمكن أن تسعى إلى “تسقيف أسعار الكراء”. هذا إلى جانب تعديل سوق العقارات بإجراءات ناجعة.
“كيف يريدون أن أشتري أو حتى أن أكتري منزلا في ظل هذه الظروف؟” يسأل أمين 29 سنة متزوج منذ عامين وسائق تاكسي جماعي. يقول الرجل أنه مازال يعيش تحت سقف العائلة التي ولد فيها مضيفا أنه وبدخل في حدود 1200 دينار في الشهر الواحد وزوجة عاطلة عن العمل “بالرغم من المطالب التي ما انفكت تتقدم بها إلى المؤسسات العامة والخاصة” فهو لا يقدر على كراء بيت يأويه. ويوضح أمين ضاحكا في نفس السياق أن دخله الشهري وباعتبار ما يتوجب عليه إنفاقه للعيش لا يمكنه إلا من كراء “قراج” أو “غرفة مع الجيران”.
الحالة التي يصفها أمين ليست فريدة في المجتمع التونسي بسبب الارتفاع المشط الذي يعرفه تسويغ محلات السكنى. ويؤكد المعهد الوطني للإحصاء في هذا السياق أن الأكرية ارتفعت بنسبة 29 بالمائة بين سنتي 2020 و2024. كما تفيد بعض المصادر الأخرى ارتفاعها بنسبة تتراوح بين 4 و7 بالمائة بين سنتي 2024 و2025. وهو ما يطرح مشكلا وبخاصة بالنسبة إلى محدودي الدخل إذ أن على المكتري أن يدفع وفي المتوسط 1650 دينارا (رقم سنة 2023) لتسويغ محل للسكنى وذلك حسب موقع “مبوب” وهو بوابة عقارية.
ولسائل أن يسأل عن أسباب هذا الغلاء الذي يعود حسب عدد من المتابعين للشأن العقاري في بلادنا إلى أسباب عدة. لعل أول هذه الأسباب غلاء العقارات التي عرفت بدورها قفزة جنونية بسبب غلاء الأراضي المعدة للبناء بفعل خاصة نقص عددها وغلاء المواد الأولية وزيادة أجور العاملين في القطاع. فثمن المحلات السكنية ارتفع بنسبة 16 بالمائة في تونس الكبرى فيما يتعلق بالشقق و19 بالمائة بالنسبة للفيلات.
وهو ما يؤثر حتما وسلبا على سعر الأكرية. فكثيرا ما يكون مالكو المحلات السكنية والذين يعرضون محلاتهم للكراء قد تمتعوا بقروض من بنوك منحت لهم بنسب فائدة مرتفعة. علما أن عدد المحلات التي تم بيعها خلال السنوات الماضية عرف انخفاضا ملحوظا (في حدود 50 بالمائة سنة 2025). وهو ما يزيد مما يعتبره البعض “أزمة سكن”. هذا بالطبع فضلا عن جشع بعض مالكي العقارات الذين يرغبون في استرجاع مصاريف اقتنائهم للمساكن في أسرع وقت ممكن.
ويقع كل هذا في ظل حقيقة يمكن وصفها بالمرة تتمثل في أن عدد المساكن الشاغرة يعتبر مرتفعا بالنسبة إلى العدد الجملي للمساكن (قرابة 20 بالمائة حسب المعهد الوطني للإحصاء سنة 2025): 800 000 مسكن على 4,2 مليون مسكن موجود في الجمهورية التونسية بأكملها.
اعتماد سعر مرجعي
فما الحل؟ تابع عامة التونسيين خلال الفترة المنقضية اهتمام مجلس نواب الشعب بالمسألة طارحا إمكانية “تسقيف أسعار الكراء”. الشيء الذي يعني أن هناك إمكانية لوضع قانون يضبط الأكرية حسب جملة من المعايير. وهو إجراء قانوني موجود في عدد من البلدان وبخاصة الدول الأوروبية لتجاوز الظواهر المتعلقة عادة بالحفاظ على القدرة الشرائية للمتسوغ.
وتبين التجارب أن هذا “التسقيف” يتم باعتماد سعر مرجعي للمحلات المعدة للكراء لا يمكن تجاوزه. ويأتي تحديد هذا السعر انطلاقا من متغيرات مختلفة مثل المنطقة التي يوجد فيها العقار وموقعه (على شاطئ البحر أو بعيدا عنه مثلا) ومساحته وعدد غرفه ومكوناته (وجود حديقة مثلا) وتاريخ بنائه وطبيعة وجودة المواد التي يتوفر عليها (رخام أو خزف أو بلاط عادي) الخ…
توظيف أداءات
هذا وتصاحب هذا “التسقيف” عادة إجراءات أخرى من بينها تحديد النسب المأوية التي يمكن لمالك العقار اعتمادها بحلول كل سنة أي الترفيع في سعر الكراء سنويا وحدود هذا الترفيع (لا يجوز الترفيع بعد خمس سنوات من تاريخ الكراء مثلا) وكذلك النسبة المأوية للترفيع في ثمن الكراء بالنسبة لمتسوغ جديد.
هذا ويتم في بعض البلدان ومن أجل المحافظة على القدرة الشرائية للمتسوغين وقانونا عدم السماح بالإبقاء على مسكن شاغرا إلا لأسباب موضوعية (مثل القيام بأشغال) وذلك لأكثر من مدة محددة (عادة سنة). ويتم في حالة عدم احترام التراتيب الجاري بها العمل في المجال توظيف أداءات على المساكن الشاغرة.
توفير أراضي للبناء
غير أن هذا “التسقيف” قد يضر بالوضع العام للأكرية التي يمكن أن تتقلص بمفعول “التسقيف”. إذ أن بعض المالكين قد يلجؤون إلى بيع مساكنهم عوض كرائها. كما أنهم يفضلون كرائها مؤثثة (“مفروشة” كما يقال عادة) لفترات قصيرة أو لا يتولون صيانتها و هو ما يسبب ضرارا للمتسوغين. هذا فضلا عن عدم إقبال البعض على بناء مساكن جديدة خوفا من أن يتم تحديد سعر كرائها في المستقبل. وهي سلوكيات موجودة ولكنها لا تكون دائما متبعة وتختلف حسب اختيارات المالكين وحاجياتهم ونواياهم.
هذا وتبقى مسألة توفير عدد أكبر من المحلات المعدة للسكن أهم عنصر يساهم في انخفاض أثمان الكراء. الشيء الذي يعني أن هذه الأخيرة تتأثر على غرار ما يتم في مجالات أخرى بالوفرة التي تساهم عادة في تعديل السوق. ومن السياسات المعتمدة في هذا المجال تدخل الدولة من خلال سن قوانين تشجع على اقتناء مساكن جديدة بفضل قروض تعتمد نسب فائدة تراعي دخل المواطن وتوفير أراضي من رصيدها العقاري بأسعار مناسبة واعتماد كذلك سياسة “الكراء المملك” التي عادت الدولة في بلادنا لتوخيها بعد أن كانت موجودة إلى حد سنة 2016.
وهي حلول قد ترضي أمين و تمكنه إذن من الحصول على منزل و توفر راحة البال.