د. هشام القروي
لم يكن قرار الجزائر في 10 سبتمبر 2026 بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة، وما تلاه من حظر الطيران الإماراتي من مجالها الجوي، رد فعل اندفاعيًّا على حادثة واحدة.
بل هو تتويج لعملية انسحاب تدريجي امتدت على مدى عشرين شهراً على الأقل، وقد وثقت وسائل إعلام متنوعة ومتخصصة كل مرحلة من مراحلها. والبيان الجزائري نفسه كاشف لما حجب عنه: فهو يشير إلى «تكاثر الأعمال الاستفزازية أو العدائية» والتحذيرات المتكررة التي لم يُلتفت إليها، لكنه لا يحدد أي حدث محدد كان سبباً في ذلك. ويشير هذا الحذف المتعمد إلى أن الأمر يتعلق بمشكلة هيكلية، وليس ناجما عن حدث معين.
وقد وجدنا أن خمسة خطوط صدع تتداخل، وهي: الصحراء الغربية والتحالف بين الرباط وأبو ظبي؛ واستراتيجية الإمارات لتطويق منطقة الساحل؛ والسودان وليبيا؛ والتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر؛ ونزاع اقتصادي وقانوني طويل الأمد. ويُضاف إلى هذه الطبقات الخمس المتغير الذي يفسر التوقيت وليس الأسباب، وهو: اتساع الهوة العلنية بين الرياض وأبو ظبي، مما أزال قيد التضامن العربي الذي استندت إليه الجزائر لتأجيل الانفصال.
التسلسل الزمني لانفصال مخطط له
هذا التسلسل يستبعد فرضية حدوث انفجار مفاجئ. في جانفي 2026، ودون أي إعلان علني، قلص عبد المجيد تبون الوجود الدبلوماسي الجزائري في أبوظبي إلى الحد الأدنى — ثم نشرت Africa Intelligence عنوانًا رئيسيًّا حول انشقاق «بطيء» كان قد بدأ بالفعل. في فيفري 2026، بادرت الجزائر بإنهاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة في أبوظبي في ماي 2013 والمصادق عليها في ديسمبر 2014. أكدت بعد ذلك بوقت قصير أن آخر رحلة مجدولة لها من الجزائر ستكون الرحلة EK757 في 3 فيفري 2027، مع استمرار عملياتها في غضون ذلك.
في جويلية 2026، تجاوز الرئيس الجزائري عتبة خطابية عندما استهدف علنًا «دولة صغيرة» إقليمية — في إشارة واضحة إلى الإمارات — متهمًا إياها بزعزعة استقرار العالم العربي ومنطقة الساحل، وأعلن: «أينما وطأت أقدامهم، يُراق الدم». وفي 10 سبتمبر، أُبلغ السفير الإماراتي، الذي تم استدعاؤه إلى الوزارة، بقطع العلاقات الدبلوماسية، مع إنذار نهائي مدته 48 ساعة. وبعد بضع ساعات، أغلقت وزارة الدفاع الوطني مجالها الجوي اعتباراً من منتصف ليل 11 سبتمبر أمام جميع الطائرات المدنية والعسكرية المسجلة في الإمارات، باستثناء واحد: الرحلات التجارية المتجهة إلى مطار هواري-بومدين، حتى انتهاء العقد في نهاية عام 2026. ردت أبو ظبي ببيان تصالحي مدروس بعناية، أعربت فيه عن أملها في أن يظل القرار «مؤقتاً» وأن يحافظ على «العلاقات الأخوية». في اليوم التالي، عرضت مسقط التوسط، حيث كلف سلطان عُمان وزير خارجيته بتهدئة الأزمة.
إن هذا التصعيد الذي استمر عشرين شهراً، وتخللته تحذيرات رسمية، يتماشى مع قرار تم التوصل إليه على أعلى مستويات الجهاز الأمني، وليس رد فعل عاطفي.
1 – الصحراء الغربية: الخلاف الجوهري
هذه هي القضية الأقدم، والتي نادرًا ما تُعالج بشكل مباشر في البيانات الرسمية. وكانت الإمارات العربية المتحدة أول دولة عربية تفتتح بعثًة دبلوماسية في العيون، في نوفمبر 2020، وبذلك اعترفت فعليًّا بالسيادة المغربية على الإقليم المتنازع عليه. وأعقب هذه الخطوة تصاعد في الالتزام المالي: الإعلان عن «شراكة مبتكرة ومتجددة وراسخة» تم توقيعها في أبوظبي يومي 4 و5 ديسمبر 2023 بين محمد السادس ومحمد بن زايد، تلاها، في مايو 2025، اتفاق بقيمة 14 مليار دولار – وهو أكبر استثمار خاص في تاريخ المغرب – شارك فيه كل من ONEE وصندوق محمد السادس وشركة TAQA المغرب (إحدى الشركات التابعة لمجموعة أبوظبي للطاقة) وشركة Nareva.
أما التفصيل الذي تغفل عنه القراءة السطحية، فهو أن العنصر الأساسي في هذه الاتفاقية يتعلق بممر لنقل الكهرباء فائق القوة بطول 1,400 كيلومتر يربط الصحراء الغربية بالدار البيضاء. بعبارة أخرى، يتم استثمار رؤوس أموال إماراتية ضخمة في التكامل المادي والطاقي للأراضي المتنازع عليها مع الشبكة المغربية — وهو ما تفسره الجزائر على أنه توطيد لا رجعة فيه للواقع المكتسب، بتمويل من دول الخليج.
وقد عزز السياق هذا التفسير. فقد أقر قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي اعتمد في 31 أكتوبر 2025، رسمياً خطة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساساً «جاداً وموثوقاً» للتسوية، ووفقاً للتحليلات القانونية، فإن هذا يمثل المرة الأولى التي يروج فيها المجلس لوضع نهائي تحت السيادة المغربية. في سبتمبر 2026، أكد تحالف يضم 40 دولة في جنيف دعمه لسيادة المغرب «الكاملة والتامة». وقد تحملت الجزائر، التي فقدت مقعدها غير الدائم في مجلس الأمن في جوان 2025، هذه السلسلة من الأحداث دون أي نفوذ — وترى أن أبوظبي هي أحد ممولي الحملة الدبلوماسية المضادة.
2 – الساحل: فرضية «التطويق»
هنا يكمن الدافع العملي الأكبر، وهو الأقل تغطيةً من قبل وسائل الإعلام السائدة. تستند العقيدة الجزائرية إلى عمق استراتيجي في منطقة الساحل: عدم التدخل، والوساطة، وأولوية الحلول الإقليمية. ويتعارض التوسع الإماراتي مع كل مبدأ من هذه المبادئ.
وتعد سلسلة الأحداث التي وقعت في مايو 2025 مفيدة في هذا الصدد: جولة دبلوماسية قام بها الشيخ شخبوط بن نهيان في أقطار «تحالف دول الساحل»، تلتها زيارة استراتيجية قام بها صدام حفتر إلى النيجر، حيث التقى بأعلى المسؤولين العسكريين، بما في ذلك عبد الرحمن تشياني. يُحلَّل الهيكل الناشئ — وهو محور بنغازي–نيامي–باماكو–واغادوغو الذي يتلاقى مع «المبادرة الأطلسية الملكية» المغربية — باعتباره استراتيجية لـالاحتواء المنهجي للنفوذ الجزائري، مستغلاً الفراغ الذي خلفه الانسحاب الغربي وإعادة توجيه تدفقات الطاقة نحو المحيط الأطلسي. وقد وثَّقت أبحاث سابقة بالفعل كيف تحولت أبوظبي بسرعة من الإدانة العلنية للانقلابات في منطقة الساحل إلى الانخراط في اتصالات مباشرة مع المجالس العسكرية.
جاء هذا الزخم في وقت كانت فيه الجزائر في موقف ضعف إقليمي: فقد أدى الحادث المتعلق بإسقاط طائرة مالية بدون طيار في تين زاوتين في 1 أبريل 2025 إلى استدعاء السفراء من الدول الثلاث الأعضاء في التحالف الاقتصادي للساحل وإغلاق المجال الجوي بشكل متبادل، وهو تجميد لم يُرفع إلا في جويلية 2026. وبالتالي، فإن كل تقدم إماراتي في منطقة الساحل حدث خلال فترة كانت فيها الجزائر في وضع دبلوماسي ضعيف داخل مجال نفوذها — وهو ما يُحوّل، حسب تفسير الجزائر، التنافس على النفوذ إلى مناورة عدائية منسقة.
3 – السودان وليبيا: المظلمة الأخلاقية والمظلمة الأمنية
إن إشارة تبون إلى «إراقة الدماء» موجهة مباشرةً إلى السودان. فقد حققت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة في صلات الإمارات بالأسلحة التي تم ضبطها في دارفور، ولا سيما قذائف الهاون التي تم تصديرها من بلغاريا إلى الإمارات وعُثر عليها لاحقًا في حوزة قوات الدعم السريع. وحددت تقارير لاحقة صادرة عن اللجنة خطوط إمداد مرتبطة بالإمارات تقوم بتوجيه الأسلحة والمركبات، على الرغم من نفي أبوظبي لذلك. وقد أعطى سقوط الفاشر في أكتوبر 2025 – الذي وصفته نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بأنه حملة منظمة ومدروسة من الفظائع الجماعية، حيث قُتل أكثر من 6,000 شخص في غضون أيام قليلة وفقًا لنتائج الأمم المتحدة – زخمًا أخلاقيًا قويًا لهذه القضية.
بالنسبة للجزائر، لا يمثل السودان مجرد قضية أخلاقية: إنه تجسيد لنموذج – وهو استخدام القوات المساعدة لإعادة تشكيل دولة عربية – ترى الجزائر أنه قابل للتطبيق في ليبيا، جارتها المباشرة، حيث شكّل الدعم الإماراتي لمعسكر حفتر مصدرًا رئيسيًا للتوتر على مدى عقد من الزمن.
4 – الجبهة الداخلية: التدخل المتصور
ربما يكون الجانب الأقل ظهورًا على الساحة الدولية هو العامل الأكثر حسمًا في هذا القرار. فقد اتهم تبون الإمارات علنًا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الجزائرية: «لقد تدخلوا في انتخاباتنا، أولًا في الجولة الأولى ثم في الجولة الثانية». وقد نددت الأوساط الرسمية الجزائرية مرارًا وتكرارًا بـ«الأنشطة المشبوهة» للسفارة الإماراتية ووصفت السفير بأنه «في مهمة لزعزعة استقرار البلاد».
وقد بلورت قضية بلغيث هذه المآخذ. ففي أفريل ومايو 2025، صرح المؤرخ محمد أمين بلغيث على قناة «سكاي نيوز عربية» – مقرها أبوظبي – بأن الهوية واللغة الأمازيغية جزء من «مشروع أيديولوجي فرنسي-صهيوني.» و تم اعتقاله وسجنه، ثم صدر عنه عفو في ديسمبر 2025. والنقطة الأساسية هنا ليست التصريح بحد ذاته، بل الوسيلة التي أُذيع من خلالها: قناة إماراتية تبث محتوى يهاجم المكون الأمازيغي للهوية الوطنية، في بلد تشكّل فيه القضية القبائلية أكثر خطوط الصدع الداخلية حساسية. وفسرت الجزائر ذلك على أنه عملية إعلامية تستهدف التماسك الوطني، وليس مجرد زلة تحريرية. وأدى السياق الانتخابي إلى تفاقم هذه الريبة: فالانتخابات البرلمانية التي جرت في 2 جويلية 2026، والتي تميزت باستبعاد 269 مرشحًا ومعدل امتناع عن التصويت قياسي، جعلت الحكومة حساسة بشكل خاص تجاه أي تدخل مزعوم.
5 – النزاع الاقتصادي والقانوني
تكتسب سابقة قانونية أهمية كبرى: في ماي 2023، أمرت هيئة تحكيم تابعة للمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) الجزائر بدفع أكثر من 228.5 مليون دولار إلى شركة الإمارات للاستثمار الدولي وشركة «سوسيتيه دي بارك في الجزائر»، رافضةً ادعاءات الجزائر بعدم الشرعية. وبالنسبة للجزائر، أكد هذا الحكم الرأي القائل بأن الاستثمار الإماراتي كان وسيلة لممارسة الضغط وليس شراكة.
ولا تزال المصالح المتشابكة ذات أهمية كبيرة: موانئ دبي العالمية (DP World) تدير محطة الحاويات في الجزائر العاصمة منذ عام 2009، والتي تضاعفت طاقتها الاستيعابية لتصل إلى حوالي 755,600 وحدة مكافئة للحاوية (TEU) سنويًا، كما أن مبادلة تمتلك حصصًا في حقول النفط الجزائرية عبر الشركة الإسبانية Moeve — وهو وضع يثير الآن تساؤلات حول أمن هذه الأصول. وبالتالي، فإن هذا الانفصال يعرض الجزائر لخطر تجدد إجراءات التحكيم، مما يشير إلى أن القرار اتُخذ مع العلم التام بتكلفته.
المتغير الخفي: الخلاف الخليجي كفرصة سانحة
هذا هو العامل الذي يفسر التوقيت أكثر من الأسباب. وقد أقر تبون نفسه بأن الانفصال كان سيحدث «منذ زمن بعيد« لولا رغبة الجزائر في تجنب تفاقم الانقسامات داخل العالم العربي. وقد رُفعت هذه القيود في عام 2026.
أصبحت المنافسة السعودية-الإماراتية، التي كانت تُدار حتى ذلك الحين خلف الكواليس، علنية. وقد تحدث مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) عن انقسام جديد في الخليج، وبرزت اليمن كنقطة محورية للتوترات المتزايدة بين الرياض وأبو ظبي. في الوقت نفسه، عززت الجزائر قنواتها الأمنية مع الرياض: فقد استقبل تبون وزير الداخلية السعودي، الأمير عبد العزيز بن سعود، في الجزائر في يناير 2026 لإجراء محادثات حول التعاون الأمني، في خطوة فُسرت على أنها تقارب سعودي-جزائري يعكس اهتمام الرياض المتجدد بمنطقة الساحل وشمال أفريقيا. ومنذ فبراير 2026، كانت التحليلات تتساءل صراحةً عما إذا كانت الجزائر قد سدت الفجوة بين الرياض وأبو ظبي.
بعبارة أخرى: لم تقطع الجزائر علاقاتها لأن الخلافات كانت جديدة، بل لأن التكلفة السياسية للانفصال داخل النظام العربي أصبحت مقبولة.
لماذا المجال الجوي، ولماذا هذا الاستثناء؟
يُعد إغلاق المجال الجوي الإجراء الأهم في هذه السلسلة، وهو الذي حظي بأقل قدر من التعليقات. وباعتبارها أكبر دولة في أفريقيا، تشكل الجزائر ممرًا جويًّا رئيسيًّا يربط بين شرق البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وغرب أفريقيا. ولا يستهدف حظر الطائرات المسجلة في الإمارات – المدنية والعسكرية – من هذا الممر شركة طيران الإمارات في المقام الأول، حيث كان انسحابها مقرراً بالفعل في فبراير 2027. إن الإشارة إلى الطائرات العسكرية هي الدلالة الحقيقية: أي أن الجزائر تعتزم زيادة التكلفة اللوجستية لبسط نفوذ الإمارات في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.
ويؤكد الاستثناء الممنوح للرحلات التجارية المتجهة إلى الجزائر حتى نهاية عام 2026 الطبيعة المدروسة لهذا الإجراء. فالجزائر تتجنب معاقبة جاليتها في الخارج وتلتزم بالموعد النهائي التعاقدي، في الوقت الذي تغلق فيه الممر الاستراتيجي. إنها عقوبة جغرافية، وليست تجارية.
ما لم يمكن التحقق منه بعد
تتطلب الدقة التحليلية تحديد مجالات عدم اليقين.
أولاً، لا يوجد أي مصدر علني يحدد الحادثة المحددة التي وقعت في سبتمبر 2026 والتي أدت إلى اتخاذ القرار النهائي؛ وتشير عدة تقارير صراحةً إلى أن الدافع لا يزال مجهولاً. ومن المعقول أن تكون معلومة استخباراتية لم يتم الكشف عنها – مثل عملية تأثير، أو نشاط لجمع المعلومات الاستخباراتية، أو ملف متعلق بمنطقة الساحل – قد شكلت عاملاً محفزاً، لكن لا يمكن إثبات ذلك من خلال المعلومات المتاحة من المصادر المفتوحة.
ثانياً، تستند مزاعم التدخل في الانتخابات إلى تصريحات رئاسية لم يتم إثباتها علناً بأدلة وثائقية.
ثالثاً، تنفي الإمارات العربية المتحدة باستمرار تسليح «قوات الدعم السريع»، وتتعلق نتائج لجنة الأمم المتحدة بسلاسل الإمداد المرتبطة بالإمارات بدلاً من قرار حكومي رسمي.
التوقعات
توفر الوساطة العمانية مساراً لتهدئة التوتر دون إهانة، ويشير رد الإمارات — الذي يؤكد على الطبيعة «المؤقتة» المأمولة للقرار وحماية الجالية الجزائرية في الإمارات — إلى أن أبوظبي لا ترغب في رؤية تصعيد. ومع ذلك، تظل الأسباب الهيكلية دون تغيير: تتطور قضية الصحراء الغربية بشكل غير مواتٍ للجزائر، ولن يتضاءل وجود الإمارات العربية المتحدة في منطقة الساحل، ويظل السودان نزاعًا أخلاقيًّا مستعصياً. ويتطلب التطبيع السريع قيام إحدى العاصمتين بمراجعة توجه استراتيجي أساسي، وهو أمر لا توجد مؤشرات عليه في المدى القصير.