أجرت الحوار : آية الحداد*
في ظل التحديات الاقتصادية التي تعيشها البلاد وتزايد الضغط على المرافق العمومية يظل القطاع الصحي من أكثر القطاعات تأثرا بتقلص الميزانية وارتفاع الطلب على الخدمات. بين محدودية الموارد وتنامي الحاجيات، يجد المديرون الجهويين للصحة أنفسهم أمام معادلة دقيقة تجمع بين التسيير اليومي والبحث عن حلول مبتكرة لضمان استمرارية الخدمات.
في هذا الحوار مع الدكتور يوسف البدوي، المدير الجهوي للصحة بالمهدية، نستعرض لكم واقع المنظومة الصحية بالجهة : إكراهات التسيير والتمويل وآفاق الإصلاح الممكنة في محاولة لفهم كيف يمكن ضمان استمرارية الخدمات الصحية وجودتها رغم الصعوبات المالية الراهنة.
كيف تقيم الوضع الصحي العام في الجهة اليوم بين الإمكانيات المتوفرة والانتظارات المتزايدة للمواطنين ؟
الوضع الصحي عامة جيد. منذ الاستقلال تم بناء منظومة صحية متكاملة لمقاومة الامراض المنقولة والأوبئة. ومع تزايد حاجيات المجتمع التونسي وتطورها تم العمل على تحسين الوضع الصحي مقارنة بالسنوات الماضية خاصة مع ارتفاع أمل الحياة وتهرم المجتمع وظهور الامراض المزمنة ومرض السرطان مما أدى الى مراجعة السياسة الوطنية للقطاع. حيث تم إرساء السياسة الوطنية للصحة 2030 التي تجعل المواطن محور المنظومة الصحية وتعمل على التعريف بالخدمات في هذا المجال وعلى مزيد توعية المواطن للحماية والتوقي من الأمراض الى جانب تحسين ظروف العمل ودعم الموارد البشرية وتطوير البنية التحتية في حدود الإمكانيات المتاحة في ظل سياسية التقشف.
رغم الصعوبات التي يواجهها القطاع فقد نجحت المنظومة الصحية في كسب الرهانات وخير دليل على ذلك التصدي لجائحة كورونا والسيطرة على تفشي الوباء بتوفير اللقاحات اللازمة وبوجود الإطارات الطبية وشبه الطبية الكفأة.
هل أن الميزانية الجهوية المخصصة للصحة كافية لتغطية الحاجيات الأساسية ؟ إن لم تكن كذلك أين يبرز العجز تحديدا؟
الميزانية الجهوية للصحة نوعان: ميزانية التسيير العادي تعطى إلى المؤسسات الصحية وميزانية المشاريع حسب البرامج يتم صرفها من الوزارة. مع العلم أن الأجور تصرف مباشرة من ميزانية وزارة الصحة، وبالتالي الانتدابات تتم من طرف وزارة الصحة بالتنسيق مع وزارة المالية.
شخصيا أعتبر الميزانية كافية نوعا ما في ظل الوضع الاقتصادي الراهن إذا تم مراعاة الأولوية القصوى وحسن التصرف في الموارد المتاحة. لكن هناك اشكال يطرح بشدة ويمثل عائقا أمام صرف الميزانية المرصودة ويتمثل في طول الإجراءات الإدارية وتعقيدها إذ لابد من العمل على تبسيطها للتسريع في صرف ميزانية انجاز المشاريع. لكن ربما يكمن العجز في توفير الأدوية الضرورية من قبل الصيدلية المركزية بسبب ارتباطها بالعديد من المتدخلين على غرار الصندوق الوطني للتامين على المرض والمستشفيات والتزامها بخلاص تعهداتها المالية تجاها المزودين.
رغم الصعوبات التي يواجهها القطاع فقد نجحت المنظومة الصحية في كسب الرهانات
ماهي الصعوبات التي تواجهكم في صرف الاعتمادات أو في تنفيذ المشاريع الصحية في الجهة ؟
أبرز الصعوبات تتمثل في تداخل عدة جهات (على سبيل المثال مصالح الولاية- إدارة التجهيز الخ…..) مما ينتج عنه طول الإجراءات وسوء التنسيق بين جميع المتدخلين ممّا يعطل تنفيذ المشاريع. أمام هذا الاشكال تسعى الوزارة الى توفير الإطارات الفنية اللازمة لمتابعة تنفيذ المشاريع من طرف الهياكل الصحية وذلك بفتح مناظرات لانتداب مهندسين وتقنيين سامين في اختصاصات متعددة.
في ظل محدودية الموارد كيف تحددون أولويات التدخل بين البنية التحتية والتجهيزات والموارد البشرية ؟
الأولوية القصوى اليوم هي توفير الموارد البشرية والإطارات الطبية وشبه الطبية حيث أن نقص الإطار الطبي يمثل عائقا كبيرا أمام تقديم الخدمات الصحية في أفضل الظروف بسبب الضغط والإجهاد وساعات العمل الطويلة. أما بالنسبة للتجهيزات فيجب مراعاة حسن استعمالها وتعهدها بالصيانة الحينية لتجنب عطبها وتأتي البنية التحتية في آخر الأولويات لتكلفتها المرتفعة.
هل توجد آليات رقابة تضمن حسن التصرف في الميزانية؟
هناك رقابة سابقة من قبل مراقب المصاريف العمومية ورقابة لاحقة من قبل سلطة الإشراف خاصة بالنسبة لميزانية المشاريع حيث يتم مراجعة الميزانية الختامية سنويا. الى جانب طبعا الرقابة القانونية وقوانين المحاسبة العامة والعقوبات لمخالفة الإجراءات المالية.
كيف تقيّم تأثير الظروف الاقتصادية الوطنية على أداء القطاع الصحي خلال السنتين الأخيرتين؟
الظروف الاقتصادية أثرت سلبا على تطوير قطاع الصحة من خلال نقص الانتدابات وعدم توفير التجهيزات والمعدات الحديثة وتحسين البنية التحتية. فقطاع الصحة يتأثر بالظروف الاقتصادية للبلاد وهو يؤثر كذلك في الاقتصاد الوطني. ولهذا لابد من مزيد دعم قطاع الصحة ليكون قاطرة لدفع التنمية الاقتصادية.
هل أن الشراكة مع القطاع الخاص أو مع المنظمات الدولية يمكن أن يساهم في تخفيف الضغط المالي وتحسين الخدمات.
أكيد جدا الشراكة مع القطاع الخاص ومع المنظمات الدولية تساهم بصفة فعالة في تخفيف الضغط على القطاع العام وتحسين الخدمات الصحية ووزارة الاشراف منفتحة لهذه الشراكة وتعمل بها.
ماهي رؤيتكم لتطوير المنظومة الصحية في الجهة خلال السنوات القادمة ؟
لتطوير المنظومة الصحية لابد من مقاربة شاملة تقوم على مقاومة الفساد في قطاع الصحة وحسن التصرف في الموارد الشحيحة وكذلك على دعم الخط الأول من خلال تطوير مراكز الصحة الأساسية والوحدات الصحية.
كما أن تطوير الرقمنة في القطاع الصحي وتوفير المعطيات الحينية لأخذ القرارات المناسبة واعتماد الطب عن بعد وانتشار المستشفيات الرقمية لتجاوز النقص في بعض الاختصاصات وتجهيزات متطورة لتقريب الخدمات الصحية بواسطة العيادات عن بعد من من شأنه الرفع في مردودية هذا القطاع. هذا فضلا عن نشر فكرة الصحة الواحدة التي تعتمد على صحة المواطن -صحة الحيوانات-سلامة المنتجات الغذائية وتوحيد الجهود لسلامة الجميع.
لتطوير المنظومة الصحية لابد من مقاربة شاملة تقوم على مقاومة الفساد في قطاع الصحة وحسن التصرف في الموارد الشحيحة وكذلك على دعم الخط الأول من خلال تطوير مراكز الصحة الأساسية والوحدات الصحية
ولا يجب كذلك أن ننسى دور الإعلام في تطوير المنظومة الصحية من خلال توعية المواطنين وتحسيسهم بأهمية الوقاية من عوامل الاختطار واعتماد نظام صحي مرتكز على تغذية سليمة +نشاط بدني من أجل الحد من الأمراض.
* طالبة بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار