في سنة 1991، حملها والداها إلى المسرح لمشاهدة مسرحية “كوميديا” لم تكن آسية الجعايبي تعرف، وهي الطفلة التي رافقت عائلتها إلى العرض، أن تلك الأمسية ستترك فيها أثرا يتجاوز حدود الفرجة.
علقت بالكرسي واكتشفت باكرا أن المسرح يتعدّى الفرجة إلى عالم يمكن أن يبتلع المرء ويغير علاقته بالأشياء.
من تلك اللحظة بدأت الحكاية، أو لعلها بدأت قبل أن تدرك صاحبتها أنها ستصبح يوما من صانعي هذا العالم.
من حكاية شخصية اختارت آسيا الجعايبي أن تفتح “المسرحية” (Gazon Rouge)، عملها الجديد الذي يلتقي فيه الخاص بالعام، والعبثي بالواقعي، والضحك بما يخفيه من أسئلة ثقيلة.
والجعايبي لم تستهل عملها باستدعاء ذكرى قديمة لتصنع منها حكاية حنين إلى المسرح، وإنما لتعلن منذ البداية طبيعة العلاقة التي تقترحها مع هذا الفن، مسرح لا يستأذن أحدا، ولا ينشغل كثيرا بإرضاء الجمهور، ولا يجعل من الدعم أو انتظارات المؤسسات بوصلته الوحيدة.
إنها مسرحية كما تريدها صاحبتها، وعن الموضوعات التي تشغلها، وبالشكل الذي تختاره لها، حسب الإعلان الذي يحمل شيئا من المشاكسة، ويكشف عن رغبة في استعادة حرية الفعل المسرحي، بعيدا عن الحسابات التي قد تسبق أحيانا ولادة العمل الفني.
بمشهدية عبثية مفتوحة على التأويل تتصدرها مساحة من العشب الاصطناعي التي يحاوطها الفراع ، تقدّم “المسرحية” عالما يبدو أن شيئا فيه قد انهار، أو ربما انتهى قبل أن يبدأ من جديد.
امرأة تتخلى عن كل ما تملك، ولا تحتفظ سوى بقطعة صغيرة من العشب فوق أرض آخذة في الجفاف.
وبعد أشهر قد يبدو عددها بلا معنى ، تصل ثلاث ممثلات. كان يفترض أن يحدث شيء، أن تتحقق واقعة ما، أن تسير الأمور وفق ترتيب سابق، لكن شيئا لم يحدث كما كان منتظرا.
في تجاويف الفراغ وانحناءات نقاط الاستفهام، يتواتر سؤال “متأكدة ça va؟” وبين العشب الذي يفترض أن يكون علامة على الحياة والخضرة، والأرض التي تفقد قدرتها على الإخضرار، تتشكل مفارقة العنوان.
فـ”Gazon Rouge” أو “العشب الأحمر” يضعنا أمام صورة غير مألوفة، تجمع بين عنصرين متناقضين في دلالتهما، وتفتح الباب أمام قراءة تتجاوز المشهدية إلى ما قد يحمله الاحمرار من غضب أو جرح أو إنذار.
أي عشب هذا الذي يحمرّ؟ وهل يتعلق الأمر بمساحة صغيرة تحاول مقاومة اليباس، أم بعالم لم يعد ممكنا فيه أن تظل الأشياء على ألوانها المعتادة؟
لا تقدم الحكاية إجابات جاهزة، وتترك الشخصيات في مواجهة ما حدث وما لم يحدث، وما كان ينبغي أن يكون ولم يكن.
وفي هذا الفراغ بين المنتظر والواقع، تتوالد الأسئلة، ويصبح العبث وسيلة للاقتراب من تناقضات الإنسان والمجتمع.
على الخشبة، لا تكتفي الممثلات الأربع بأداء أدوار داخل حكاية، ويحملن، كل واحدة بطريقتها، مسارا من التجارب والأسئلة التي تتقاطع مع الشخصية ومع صاحبتها في الوقت نفسه.
سندس بالحسن، في دور “درة”، تدخل هذه التجربة باعتبارها ممثلة لا تفصل الإبداع عن الرهان الشخصي. فكل عمل لديها امتحان ومعركة ومحاولة للترميم، والنجاح في قاموسها ليس نتيجة فنية، وإنما ضرورة تكاد تبلغ حد مسألة الحياة أو الموت.
وتضع بصمتها أيضا في الكوريغرافيا، بما يضيف إلى حضورها الجسدي بعدا يتجاوز الأداء التمثيلي.
أما فاطمة بوعون، في دور “زينب” التي تؤدي “فريال”، فتظهر في صورة امرأة فضولية، لا تتوقف عن طرح الأسئلة، وتملك قدرة على تبسيط ما يعقّده الآخرون. تراقب التفاصيل وتقرأ موازين القوة والتوترات والهشاشة
وتحمل أميرة قلال، في دور “عزة” التي تؤدي “عيشة” حلما قديما بالمسرح. فمنذ مراهقتها، كان المحيطون بها يرون فيها ملامح ممثلة، ويشيرون إلى حضورها وطريقتها في الكلام والضحك واحتلال المكان وسعت إلى أن تجعل الأمر واقعا.
في المقابل، خاضت هالة عياد، في دور “هاجر” رحلة بحث معمقة للاقتراب من شخصية “رملة”. موضوع أخافها في البداية قبل أن يتحول إلى مصدر شغف، فقرأت وبحثت وتابعت الشأن السياسي التونسي، واهتمت بمسألة النساء في مواقع السلطة والآليات الانتخابية.
هذه البورتريهات التي تكشف شيئا من علاقة كل ممثلة بشخصيتها، تجعل من “المسرحية” أيضا مساحة للتأمل في الممثلة نفسها، ما الذي تحمله معها إلى الخشبة؟ أين تنتهي الشخصية وتبدأ تجربتها الخاصة؟ وكيف يتحول الجسد والصوت والذاكرة إلى أدوات لقول ما يتجاوز النص؟
وبين المشاهد، يتسلل صوت فايبا، صوت لا يوازي الحركة فوق الخشبة بقدر ما يعكس صوت المجتمع، بما يحمله من أحكام وانتظارات وأسئلة وضغوط. صوت يأتي من خارج الشخصيات، لكنه لا يبدو غريبا عنها، إذ يضعها في مواجهة محيطها وما يفرضه من تصورات، ويعيد وصل الحكاية الفردية بواقع أوسع.
في “المسرحية”، تلتقي الكتابة والإخراج والسينوغرافيا في رؤية آسية الجعايبي، بمساعدة إخراجية لآمنة شعبان، وموسيقى أصلية فايبا، وتصميم إضاءة لفاضل الجعايبي وباستيان لاغييه، وأزياء لهدى بن مامي، فيما تشرف سندس بالحسن على الكوريغرافيا
لكن ما يبدو أكثر إثارة في هذا العمل هو اختياره أن يبدأ من سؤال المسرح نفسه، من تلك اللحظة التي تعلق فيها طفلة بكرسي داخل قاعة عرض، لتعود بعد سنوات إلى الخشبة محمّلة بأسئلتها الخاصة، وبحكايات نساء وشخصيات لا تبدو حياتهن قابلة للاختزال في إجابة واحدة.
إنها عودة إلى البدايات، لمساءلة ما بقي منها في عالم تبدو أرضه أكثر جفافا، وعلاقاته أكثر هشاشة، وأصواته أكثر حضورا وإلحاحا.
فإذا كان العشب الأخضر علامة على الحياة، فما الذي يجعل لونه أحمر؟ وما الذي يحدث حين تتخلى امرأة عن كل شيء، ولا يبقى لها سوى مساحة صغيرة تتمسك بها؟ وهل تستطيع الشخصيات أن تستعيد ما لم يحدث، أو أن تواجه ما كان يفترض أن يحدث؟
لا تطمئننا “المسرحية ولا تمنحنا حكاية مكتملة الأطراف، إنها تتركنا أمام مشهد مضطرب، وشخصيات تتقاطع فيها السيرة بالتمثيل، والذاكرة بالواقع، والضحك بالقلق.
وفي الأثناء تترك آسية الجعايبي على الخشبة أسئلة معلقة تنطلق من هل نحن بخير؟ مرورا بماذا يبقى منا حين نتخلى عن كل شيء؟ وصولا إلى ماذا يمكن أن ينبت فوق أرض يابسة؟