في قاعة التياترو، لم يكن الصمت الذي رافق مسرحية “المقنع” فراغًا بين المشاهد، بل بدا جزءًا من النسيج المسرحي نفسه.
الأطفال تابعوا “المقنّع” بانتباه نادر، كأن الركح فتح أمامهم بوابة إلى عالم آخر تتجاور فيه الشخصيات البشرية والعرائس دون حدود واضحة بين الحقيقي والمتخيّل.
منذ اللحظات الأولى، تأسست علاقة خاصة بين العرض وجمهوره؛ علاقة تقوم على الفضول والانجذاب والقدرة على إبقاء العين معلّقة بكل تفصيل.
لا يقدّم “المقنّع” الحكاية بوصفها تسلسلًا للأحداث فقط، بل يبني تجربة مسرحية تعتمد على الصورة والإيقاع والتفاعل البصري لصناعة معنى أعمق من الكلمات.
فالدهشة هنا ليست هدفًا في حدّ ذاتها، بل مدخلًا إلى التأمل وإثارة الأسئلة. ومن خلال هذا العالم المركّب، يقترب العرض من موضوعات إنسانية كبرى بلغة سلسة وقريبة من الطفل من بينها الصراع بين الخير والشر، وعلاقة الإنسان بما يحيط به، وفكرة المسؤولية تجاه الآخر والطبيعة.
ما يلفت في العمل أيضًا أنه لا يختار الطريق المباشر في مخاطبة جمهوره، ولا يقع في فخّ الخطاب التعليمي أو الوعظي بل يراهن على ذكاء الطفل وقدرته على التقاط الإشارات ونسج المعاني بنفسه. لذلك تتحول الشخصيات والحركة والفضاء إلى أدوات لاكتشاف القيم لا لتلقينها، ويصبح الطفل مشاركًا في بناء التجربة لا متلقيًا سلبيًا لها.
وقد احتضن فضاء التياترو هذا العرض ضمن عروض موجّهة إلى لجنة الدعم التابعة لوزارة الشؤون الثقافية، بحضور عدد من الفنانين والإعلاميين، من بينهم عزيزة بولبيار ودليلة المفتاحي وزهير الرايس، إلى جانب مجموعة من الصحفيين والمهتمين بالشأن المسرحي.
وقد أعاد هذا الحضور التذكير بمكانة مسرح الطفل كفضاء للإبداع الجمالي وصناعة الخيال، وبحاجته الدائمة إلى تجارب تؤمن بأن مخاطبة الطفل تبدأ من احترام حساسيته وذكائه قبل أي شيء آخر.