على ركح مسرح الجهات بمدينة الثقافة، تعالت نغمات الساكسفون إذ نفخ فيه شهاب البعزاوي وتسربت إلى الأرواح ترافقها في رحلة تعداد أثرها في ما/ من حولها.
وفي الشاشة تراءت رمال بلا نهاية، عليها آثار أقدام، ما أشبها الصحراء بالحياة وما أشبه الخطوات بالأرواح التي تمر بها.
وبين ذرات الرمال ووقع الأقدام، تجلت مطاريات باللون الأسود وقصاصات مجلات وجرائد توشح الخشبة، في سينوغرافيا تكتفي أثر “بصمات الروح” وتُحيل في آنٍ واحد إلى ثقل ما تخطّه الروح وما يتراكم حولها من ذاكرة وزمن.
“بصمات الروح” هو عنوان العرض الفني الأخير للفنانة عايدة النياطي، عرض ظلت فيه وفية لنهجها ولروحها وللمساحة التي خلقتها لنفسها وسط كل الضجيج ورسمت فيه خرائط للأثر بطريقتها.
هذه المساحة الصادقة والبسيطة على ما تحمله من عمق تتجلى فيها الكلمة كنور يشق العتمة والسوداوية التي قد تصادف الأرواح وهي تخط بصمتها.
“ضجيت”، صدحت عايدة النياطي بعد استهلال الساكس الذي رغم قدرته على إقحام الجمهور في روح العرض، إلا أنه احتاز زمناً مطوّلاً قبل أن تتدفق الكلمات، وكأن الآلة تستأثر بمساحة قد تكون في حاجة إلى توازن أكثر مع ما سيأتي.
كلمة “ضجيت” بكل ما تحمله من صرخات مردها الحزن أو القلق أو غيرها من المشاعر المرادفة ترجمها صوت النياطي المحمل بالشجن.
ولما “فاحت لنفاس” قصّت حكاية حب على طريقتها بصوتها الذي اتخذ نبرة العشق، وتأرجحت الأرواح بين المتناقضات وهي تبحث عن سكن لبصمتها وكانت أغنية “ساعات”.
ولأن أكثر بصمات الروح رسوخاً تلك المعمّدة بالدم والدمع والآهات، فإن العرض لم يخلُ من عناوين تحكي الجانب الحالك من الحياة وتستبطن مشاعر الخوف والقسوة على غرار “خايف” و”نار قلبي”.
ولأن التسليم بالواقع يغيّر وجه بصمة الروح، فإن عايدة النياطي لا تُغفل أن تُصالحنا مع كل ما يمر بنا من مطبات ومصاعب وخيبات وخسارات من خلال أغنيتي “يصير عليه الحي” و”اللي راح برضايتو”.
ولأن ترك الأثر يحتاج قدرة ويرافقه الزهو والتجاهل، تضمّن عرض “بصمات الروح” أغنيات من قبيل “أضحك وازهى” و”قادرة” و”خلي يقولوا”.
ولا يمكن الحديث عن هذا العرض الذي يتقاطع فيه الغناء والموسيقى والفنون الركحية والبصرية، دون الحديث عن بصمة مروى بن جميع في الإخراج، وعن بصمات الموسيقيين في كل الأغاني وخاصة في “صولو” الناي والساكس والحوار بينهما وعن الكوريغرافيا التي لم تكن مجرد إضافة جمالية بل كانت لغةً موازية تُعمّق الكلمات الموسيقى، ولا سيما في اللحظات التي تصمت فيها الأغنية فتنطق الأجساد.
محمد بن صالحة على الناي وشهاب العزاوي على الساكس وبشير الجلاصي على الباطري وريان شيخ عمر على الغيتار الكتريك وأمين سعدوني على الغيتار باص ومهدي قفصية على الكلافيي، توليفة من الآلات الموسيقية التي تحمل كل منها بصمة خاصة في العرض.
ومع كل أغنية تتراءى المشاهد على الشاشة تحاكي كلمات الأغاني وتكشف فيها عايدة النياطي عن وجه فنانة تُطوّع خطواتها ومسامها لتكثيف الشجن.
ومع كل مشهد تبرز قدرة المخرجة مروى بن جميع على مراكمة الجماليات في التفاصيل والتوليف بين الفيديوهات والعناصر الركحية في الزمن الحقيقي والمباشر.
ولأن كلمات العرض والألحان نابعة من قريحة واحدة، قريحة عايدة النياطي، فإن المتأمل فيها قد يلحظ بعض التكرار على مستوى مفردات بعينها من قبيل النار والفتيل، وبعض الجمل الموسيقية في علاقتها بالتوزيع الذي أوجده أمين سعدوني.
غير أن هذا التكرار قد يكون مقصوداً، بمثابة الخيط الناظم بين الأغنيات ومعانيها التي تنهل من بصمات الروح، والأكيد أن الأرواح التي تعانقت في هذا العمل قد تركت بصمتها في الجمهور.