يتجاوز تتويج الفيلم التونسي القصير «LILY» للمخرج زبير الجلاصي بالجائزة الكبرى للأفلام المُنتَجة بالذكاء الاصطناعي كونه خبرا ثقافيا عابرا إلى حدث دال يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل الإبداع، وحدود التقنية، ودور الإنسان في زمن الخوارزميات.
ففي عالم تتسارع فيه الابتكارات الرقمية وتتشابه فيه المنتجات البصرية، يأتي هذا التتويج ليؤكد أن الرهان الحقيقي ليس تقنيا فحسب، بل فكريا وجماليا وأخلاقيا بالأساس.
وفي الأثناء، قمة One Billion Followers Summit، التي احتضنتها دبي، ليست تظاهرة فنية تقليدية، بل منصّة كونية تتقاطع فيها صناعة المحتوى بالاقتصاد الرقمي وبالقوة الناعمة للتكنولوجيا.
ومن داخل هذا الفضاء شديد التنافس، حيث تُقاس الأعمال بقدرتها على الإبهار والانتشار والابتكار، استطاع «LILY» أن يفرض حضوره، كعمل فني يمتلك رؤية بغض النظر عن كونه منتجا تقنيا متقدما.
وما يميّز «LILY» هو أنّه لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كبديل عن الخيال الإنساني، بل كامتداد له، فالفيلم لا يسقط في فخّ الاستعراض التقني، ولا يكتفي بإبهار بصري أجوف، بل يذهب أبعد من ذلك، مستثمرا الأدوات الرقمية في بناء سردية متماسكة، تُبقي الإنسان في مركز التجربة، لا على هامشها.
وهنا تحديدا تكمن قيمة العمل، في قدرته على تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة إنتاج إلى موضوع تفكير، فالفيلم، ضمنيا، يطرح سؤالا مقلقا: من يملك الصورة؟ ومن يصنع المعنى؟ هل الآلة قادرة على الإبداع، أم أنّها لا تزال رهينة من يوجّهها ويحمّلها رؤيته ومخاوفه وأسئلته؟
ويبدو واضحا أن زبير الجلاصي اشتغل على مشروعه بوعي مزدوج، وعي تقني يدرك إمكانيات الذكاء الاصطناعي وحدوده، ووعي جمالي يرفض اختزال السينما في معادلات وخوارزميات.
لذلك جاءت الصورة في «LILY» مشحونة بدلالات، لا محايدة ولا باردة، بل مشغولة على مستوى الإيقاع والتكوين والرمز.
وهذا التوازن بين التقنية والمعنى هو ما جعل الفيلم محلّ تقدير لجنة التحكيم، خاصة في مسابقة تُشرف عليها شركة Google، حيث تكون المعايير صارمة، ولا يُكافأ العمل إلا إذا أثبت قدرة حقيقية على الابتكار المسؤول.
فالفيلم لا يستعير الذكاء الاصطناعي ليملأ فراغا إبداعيا، بل يوظّفه كأداة تفكير في المصير الإنساني ذاته، في علاقتنا بالصورة، بالذاكرة، وبالمستقبل.
ويحمل هذا التتويج بعدا رمزيا يتجاوز اسم الفيلم ومخرجه، ليطال موقع تونس داخل الخريطة الثقافية الرقمية العالمية، فبلد يعاني من هشاشة التمويل وضعف البنية التحتية السينمائية، ينجح، مرة أخرى، في تسجيل حضوره عبر الفرد، عبر المبادرة، وعبر الإيمان بأن الإبداع لا يُقاس بالإمكانيات المادية فقط، بل بالرؤية والجرأة.
إنّ وصول «LILY» إلى قائمة العشرة الأوائل من بين آلاف الأعمال العالمية، ثم تتويجه بالجائزة الكبرى، يؤكد أن الإبداع التونسي قادر على خوض مغامرات جديدة، حتى في أكثر المجالات حداثة وتعقيدا.
وهو ما يفتح نقاشا ضروريا حول غياب سياسات ثقافية حقيقية تحتضن هذه الطاقات وتمنحها فضاءات إنتاج وتطوير، بدل تركها تواجه العالم منفردة.
ويفرض فوز «LILY» إعادة التفكير في مستقبل السينما نفسها وفتح نقاش حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الفن، وحدود تدخله، ومسؤوليته في تشكيل الوعي البصري الجديد. وهو نقاش لا بدّ أن تكون للسينما العربية، والتونسية تحديدا، مساهمة فيه.
وتتويج «LILY» إشارة إلى أن المعركة القادمة ليست فقط حول من يملك التكنولوجيا، بل حول من يعرف كيف يستخدمها دون أن يفقد روحه.
وفي هذا الامتحان بالذات، نجح الفيلم في أن يكون تونسيا، وإنسانيا، وعالميا في آن واحد وانتصر للفكرة قبل أن ينتصر للتقنية.