في الأعمال التي تتطرّق الحروب، غالبا ما تُدفع الموسيقى إلى منطقة مألوفة من تصعيد أوركسترالي كثيف، وإيقاعات ثقيلة، وجمل لحنية مشحونة بالعاطفة، وكأن المطلوب من الصوت أن يصرخ بدل الصورة.
غير أن ما يفعله الفنان التونسي أمين بوحافة في مسلسل “صحاب الأرض” للمخرج بيتر ميمي يسير في اتجاه مغاير تماما إذ تتخطى الموسيقى كونها مرافقا دراميا وتتحول إلى طبقة شعورية تتسلل بين المشاهد، فتعمّق الألم وتُكثّف الصدمة.
منذ الحلقات الأولى يتضح أن بوحافة يتبنى مقاربة تقوم على الاقتصاد لا الإغراق وتنأى بالموسيقى التصويرية تن الحضور الصاخب الذي يطغى على الحوار، والتصعيد الموسيقي الذي يحاول فرض قراءة جاهزة على المتلقي.
على العكس، هناك ميل واضح إلى الجمل القصيرة، وإلى النبرات المنخفضة، وإلى بناء مناخ صوتي أقرب إلى “الهَمْس الموسيقي”منه إلى الخطاب اللحني الواضح، فلا صوت أعلى من صوت “صحاب الأرض”.
الموسيقى في هذا العمل لا تشير بإصبعها ألى المأساة، بل تضع المشاهد داخلها، بصمت متوتر، في استراتيجية تتماهى مع طبيعة المسلسل نفسه، الذي يختار زاوية إنسانية داخل أجواء حرب.
فشخصية الطبيبة “سلمى” (منة شلبي) إنسانة محاصَرة بين واجبها المهني وصدمة الواقع، وهنا تتقدم موسيقى بوحافة لتصنع المسافة الداخلية للشخصية، تلك المسافة بين ما تراه وما تشعر به، وبين الصدمة والانهيار المؤجل.
في المقابل، يقف إياد نصار في “صحاب الأرض” على ضفة موازية لشخصية الطبيبة، لكن من داخل الجرح هذه المرة، لا من هامشه الإنساني المهني.
أداؤه لشخصية الأب الفلسطيني الذي يبحث عن ابنه وسط أتون الحرب قد يبدو، على مستوى الفكرة، خطا دراميا مألوفا في أعمال الحروب، غير أن نصار ينجح في تحريره من النمطية عبر اشتغال داخلي دقيق على التفاصيل النفسية.
فهو لا يقدم أبا صارخا أو منهارا بصورة مباشرة، بل رجلا يمشي على حافة الرجاء واليأس، متشبثا بخيط أمل رفيع يكاد ينقطع في كل مشهد، في توليفة تزاحم فيها مشاعر متناقضة تكثفها موسيقى بوحافة.
وإتقانه للهجة الفلسطينية لا يبدو مجرد مهارة صوتية، بل جزءا من اندماج كامل في الشخصية، حيث تأتي النبرة محمّلة بإيقاع المكان وثقله العاطفي، في تماه مع الأصوات الموسيقية التي تتسرب من بين ثنايا الوجع.
كما تفعل منة شلبي وكل الممثلين في العمل، يعتمد نصار على اقتصاد تعبيري واضح من نظرات طويلة، وصمت متوتر، وارتجاف خفيف في الصوت حين يقترب الحديث من الابن الغائب.
الأداء الذي يرجّح الكبت على الانفجار يمنح الشخصيات صدقا مضاعفا، ويجعل رحلة البحث عن الابن مسارا داخليا يتآكل فيه الأب ببطء وهو يتحرك في فضاء جغرافي مضطرب لكنه لا يتخلى عن الأمل.
البطولة الحقيقية ليست في مواجهة الصهاينة في حد ذاتها وإنما في التشبث بالحياة رغم تعدد أوجه الموت، هي الفكرة الأساسية التي يرسخها العمل الذي يضع المشاهد في مواجهة الوجه العائلي للحرب، حيث لا تعود المأساة رقمًا أو حدثًا عامًا، بل فقدًا شخصيًا محددًا.
ومن خلال الموسيقى التصويرية والأسلوب الإخراجي وأداء الممثلين جميعهم، يتحول العمل إلى مرآة إنسانية تعكس فظاعات الكيان الصهيوني وهشاشة الفرد أمام آلة الحرب.
ومن الناحية التقنية للموسيقى، يعتمد بوحافة على نسيج صوتي يميل إلى بساطة متناهية (Minimalism) البيانو الخافت، والوتريات الممتدة بنبرات طويلة، وأصوات إلكترونية خفيفة تكاد تلامس الصمت، كلها عناصر تُبنى بعناية لتخلق إحساسا بالاحتباس.
لا ذروة لحنية واضحة، ولا “ثيمة” بطولية قابلة للترديد، بل بنية صوتية متغيرة، تتشكل بحسب الموقف، وتذوب فيه، وتصب في اختيار جمالي وأخلاقي ترفض فيه الموسيقى تحويل الألم إلى استعراض.
وفي مشاهد المستشفى تحديدا، تبدو موسيقى بوحافة وكأنها تسير على خط موازٍ للصورة فبينما تنشغل الكاميرا بالوجوه المتعبة، بالأيدي المرتجفة، بحركة الأطباء بين الحياة والموت، تأتي الموسيقى لتخلق طبقة أخرى من الإدراك : طبقة الزمن البطيء.
وكأن الموسيقى تُمدّد اللحظة، تجعلها أكثر ثقلًا، وأكثر حضورا عبر تثبيت الإيقاع بما هو نبض يكاد يتطابق مع أنفاس الشخصيات.
هذا الإيقاع يتجلى منذ منذ جينيريك البداية تتر أو شارة) الذي يتعامل معه أمين بوحافة بوصفه لحظة تأسيس فالجينيريك، في تصوّره، ليس مساحة عرض موسيقي منفصل، بل عتبة عبور إلى العالم الداخلي للعمل، وإعادة كتابة لذاكرة سمعية راسخة بلغة تنتمي إلى اللحظة الراهنة.
ومن هذا المنطلق، يستند الاشتغال عليه إلى فكرة المصالحة بين زمنين عبر استحضار روح أغنية مألوفة في الوجدان، لكن بصيغة لحنية وأدائية تعبّر عن حاضر مثقل بالتحولات، من دون أن تقطع خيط الحنين الذي يصل الماضي بالحاضر.
وفي هذا السياق، جاء التعاون مع الفنانة الفلسطينية ناي البرغوثي والفنان المصري أمير عيد ليجسّد هذه الثنائية بين الجذور والآن فالصوتان يشكلان حضورا داخل رؤية موسيقية تسعى إلى بناء حوار بين طبقات حسية مختلفة.
والتلاقي بين نبرة “ناي” التي تحمل دفء الانتماء وعمق التطريب، ونبرة “أمير” الأقرب إلى البوح المعاصر بمسحة شخصية شفافة. يمنح الجينيريك بعدا إنسانيا يتجاوز الأداء الفردي، ليصبح مساحة تفاعل بين أصوات تعبّر عن الذاكرة والراهن في آن.
كما يراهن بوحافة على الصوت البشري بوصفه حاملًا للهوية الشعورية للمسلسل، فاختياره للفنانة بثينة النابولي صوتا نسائيا يتردّد بأشكال مختلفة داخل النسيج الموسيقي لم يكن تفصيلا تقنيا فحسب بل جزءا من بناء الروح العامة للعمل.
فصوتها يحمل في طبقاته هشاشة وعمقًا، يوحي بالانكسار من دون أن يفقد صلابته الداخلية وهذا التردد الصوتي، الذي يتلوّن ويتحوّل عبر الحلقات، يمنح الموسيقى خيطًا ناظمًا يجعل الجينيريك متصلا بالمتن وأصلًا تتفرّع منه بقية الثيمات.
وبكل تفاصيلها تشكل شارة البداية مانيفستو جماليا مكثفا يتبدّى فيه أسلوب يقوم على الاقتصاد، وعلى استدعاء الذاكرة دون الوقوع في أسرها، وعلى منح الصوت البشري مكانة مركزية داخل المعمار الموسيقي.
ومنذ اللحظة الأولى، يتضح أن بوحافة يتعامل مع الموسيقى بوصفها مساحة إعادة تأويل للذاكرة، وصوتا داخليا يرافق الحكاية منذ عتبتها الأولى حتى نهاياته.
وما يميز أسلوب بوحافة، أيضا، هو قدرته على استخدام الصمت كجزء من التكوين الموسيقي، ففي لحظات كثيرة، تنسحب الموسيقى فجأة، تاركة مساحة فارغة تتضخم فيها أصوات البيئة من وقع الخطوات، وأنين بعيد، وصرير باب، همسات عابرة.
هذا الانسحاب ليس غيابا، بل حضور مختلف يذكّر بأن الحرب ليست صخبا دائما بل كثيرا ما تكون انتظارا ثقيلا لما سيحدث بعد لحظة، تلاعب بالامتلاء والفراغ يمنح العمل نضجا نادرا في توظيف الموسيقى داخل الدراما العربية.
فبدل أن تتحول إلى دليل عاطفي يقود المتفرج، تغدو عنصرا تأمليا يدعوه إلى المشاركة في بناء المعنى، فالمشاهد لا يُدفع إلى البكاء عبر تصعيد لحني جاهز، بل يواجه الإحساس في عريه في مساحة تتجلى فيها قدرة الموسيقى على احترام وعي المتلقي.
ولا يمكن إغفال العلاقة الدقيقة بين موسيقى بوحافة وأداء منة شلبي، ذلك الأداء القائم على التفاصيل الصغيرة، وعلى الصمت والنظرات المعلقة، يجد في الموسيقى امتدادًا، فحين تتوقف الشخصية بعد عملية شاقة، لا تتدخل الموسيقى لتشرح شعورها، بل تضع خلفها طبقة صوتية خافتة، أشبه بظل طويل.
هذا التوازي يمنح المشهد عمقًا مضاعفًا فالجسد يقول شيئًا، والصوت يفتح له أفقًا فيما يبتعد بوحافة عن أي نزعة فولكلورية مباشرة فلا استدعاء فجّ لآلات تراثية علامة هوية جاهزة، ولا توظيف شعاراتي لمقامات مألوفة.
وإذا حضرت نبرة شرقية ما، فإنها تأتي مموهة، وغير مكتملة كأن الموسيقى نفسها تعكس حالة التشظي التي يعيشها المكان، وهذا الوعي يجنب العمل الوقوع في فخ التمثيل السطحي للهوية، ويمنحه بعدا إنسانيا يتجاوز الجغرافيا.
في السياق العام للدراما العربية، يمكن اعتبار “صحاب الأرض” محطة مهمة في مسار توظيف الموسيقى التصويرية فبدل الاعتماد على التكرار اللحني أو الإفراط العاطفي، يقدم العمل نموذجا يُراهن على الحساسية والاقتصاد.
فأمين بوحافة لا يكتب موسيقى لحرب، بل يكتب موسيقى لوجوه داخل حرب وهو لا يلاحق الانفجار، بل يقترب من أثره ولا يستنسخ المأساة، بل يصغي إلى ارتجافها الخفي.
ومسلسل "صحاب الأرض" من تأليف عمار صبري ورؤية إخراجية لبيتر ميمي وإنتاج المتحدة. ويقترح المسلسل توليفة من الأبطال بجنسيات مختلفة في إحالة إلى أن الوجع الإنساني في غزة يمتد إلى ما وراء الحدود. وفي ما يلي أبرز الممثلين : منة شلبي(مصرية) إياد نصار (أردني من أصول فلسطينية) كامل الباشا (فلسطيني) آدم بكري (فلسطيني) سارة يوسف (أردنية) يزن عيد (أردني) كيرا يغم (فلسطينية) دينا رحمة (لبنانية) دينا عبود (فلسطينية أردنية) دياموند بوعبود (لبنانية) روان الغابة (مصرية)