دعا الطيب الزهار، رئيس المنتدى الدولي لمجلة رياليتي إلى إعادة النظر في طبيعة الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي، بما يضمن الانتقال من منطق تلقي المقترحات والبرامج إلى موقع الشريك الفاعل في تحديد الأولويات وصياغة المشاريع وتنفيذها.
وفي سياق متصل أكد أنه لا ينبغي اختزال تونس في ملفات الهجرة والأمن، بل يتعين التعامل معها باعتبارها شريكاً استراتيجياً في بناء فضاء متوسطي أكثر تكاملاً.
ويأتي هذا الحديث في كلمة افتتاح الدورة الثامنة والعشرين للمنتدى الدولي لمجلة رياليتي، الذي ينعاد يومي 5 و6 نوفمبر 2026 بالحمامات، بعنوان “تونس والاتحاد الأوروبي: الميثاق من أجل المتوسط في مواجهة الصدمات العالمية”.
وقال الزهار إن الميثاق الجديد من أجل المتوسط يفتح آفاقاً مهمة لإعادة بناء العلاقات بين ضفتي المتوسط، لكنه يطرح في المقابل أسئلة جوهرية تتعلق بمدى القدرة على تحويل التوجهات المعلنة إلى مشاريع ونتائج ملموسة.
وشدد على أن المرحلة الحالية تقتضي تجاوز الاكتفاء بمناقشة طموحات الميثاق وأهدافه، والتوجه نحو تقييم خطط العمل وتحديد فرص تنفيذها وشروط نجاحها.
وأشار إلى أن خطة العمل الأولى، التي قُدمت في أفريل 2026 وتتضمن 21 مبادرة، تمثل خطوة مهمة تستوجب توضيح آليات التمويل والآجال والمسؤوليات، فضلاً عن تحديد الأدوار التي ستضطلع بها المؤسسات الاقتصادية والجامعات والشباب ومكونات المجتمع المدني.
وتساءل الزهار عن طبيعة المشاريع القادرة فعلياً على تحويل اقتصادات المنطقة، والتمويلات التي ستُرصد لها، وكيفية قياس نتائجها بعيداً عن الإعلانات السياسية، مؤكداً أن أحد أبرز التحديات يتمثل في ضمان ألا تكون بلدان الضفة الجنوبية مجرد مستفيدة من برامج تُصاغ خارجها، وإنما أطرافاً مشاركة في تحديد توجهاتها وتنفيذها.
وفي حديثه عن موقع تونس في هذه الشراكة، اعتبر الزهار أن ما يجمعها بأوروبا من روابط تاريخية وإنسانية وثقافية واقتصادية، إلى جانب موقعها الجغرافي وإمكاناتها البشرية والصناعية والتكنولوجية، يمثل قاعدة مهمة لبناء علاقة أكثر توازناً وطموحاً.
وأكد أن تونس قادرة على الاضطلاع بدور في سلاسل القيمة الصناعية الجديدة، والانتقال الطاقي، والاقتصاد الرقمي، والبحث العلمي والابتكار، فضلاً عن التكوين وتطوير الكفاءات، معتبراً أن تحويل هذه الإمكانات إلى فرص فعلية يستوجب تجاوز منطق المشاريع المعزولة وبناء رؤية متكاملة تقوم على تحديد الأولويات وتعبئة الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.
وأضاف أن الشراكة الاستراتيجية لا يمكن أن تقوم إلا على مبدأ المعاملة بالمثل والثقة واحترام أولويات كل طرف، وأن تونس مطالبة بألا تكتفي بتلقي المقترحات أو طلب التمويلات، بل بالمساهمة في بلورة المشاريع التي تخلق قيمة مشتركة.
كما دعا رئيس المنتدى إلى تغيير النظرة السائدة إلى الفضاء المتوسطي، الذي ظل تناوله أساساً من زاوية الأزمات والانقسامات والتهديدات، وخاصة الهجرة والتوترات الجيوسياسية والتفاوتات الاقتصادية.
وأكد أن المتوسط لا يقتصر على حدود يتعين مراقبتها أو مخاطر يتعين احتواؤها، وهو مجال لتبادل المعارف والكفاءات والاستثمارات، وفضاء للتكامل الاقتصادي والطاقي ومواجهة التحديات المناخية والبيئية والاجتماعية.
وفي سياق متصل، أعلن الزهار عن توجه المنتدى الدولي لمجلة رياليتي نحو إرساء تقليد سنوي لمتابعة تنفيذ الميثاق الجديد من أجل المتوسط وتقييم مدى تقدّم الالتزامات، وخاصة ما يتصل بتداعياته على تونس.
وأوضح أن هذا التوجه يرمي إلى جعل المنتدى فضاءً مستقلاً للتحليل والتقييم، يتولى رصد التعهدات وقياس النتائج وتحديد العراقيل وإبراز المبادرات التي تحقق تقدماً فعلياً، بما يساهم في تكريس ثقافة التقييم والشفافية والمسؤولية المشتركة، دون أن يكون ذلك بديلاً عن دور المؤسسات المعنية.
وعلى صعيد آخر، توقف الزهار عند مسيرة المنتدى الذي انطلقت دورته الأولى سنة 1998، معتبراً أن استمراره على امتداد 28 دورة يعكس الإيمان بأهمية الحوار والنقاش وتعدد وجهات النظر، خاصة في ظل التحولات السياسية والاقتصادية والإقليمية التي عرفتها المنطقة.
كما جدد التأكيد على الدور الذي اضطلعت به مجلة رياليتي في الدفاع عن صحافة حرة ومستقلة، تلتزم بالتعددية وحرية التعبير والانفتاح والتقدم، ولا تكتفي بنقل الأحداث، بل تسعى إلى تفسيرها وطرح الأسئلة التي تساهم في إثراء النقاش العام.
كما أكد أن التحدي المطروح أمام تونس يتمثل في عدم البقاء على هامش الديناميكية المتوسطية الجديدة، بل التحول إلى طرف فاعل في صياغة مستقبلها، قائلاً “تونس ليست على هامش المتوسط، إنها في قلب تاريخه، وعند ملتقى تبادلاته، ويجب أن تكون فاعلاً كاملاً في مستقبله”.