تعكس اختيارات مهرجان كان السينمائي في دورته التاسعة والسبعين التحوّلات التي تشهدها السينما العالمية، هذه التحوّلات التي لا تنسحب فقط على أسماء المخرجين أو جنسيات الإنتاج، بل على إعادة تعريف لعلاقة الفن بالصناعة، والخيال بالسوق، والمؤلف بالجمهور.
وبالتمعن في قائمة الأفلام المختارة يظهر الميل الواضح نحو “سينما المؤلف”، وكأنّ الكروازيت، في لحظة مفصلية، قررت أن تستعيد صوتها الأصلي الذي طالما دافع عن السينما بوصفها رؤية فردية قبل أن تكون منتجًا قابلًا للتداول.
وفي هذا السياق يبرز الفيلم المغربي “La Más Dulce” (الأكثر حلاوة) للمخرجة ليلى المراكشي والفيلم الفلسطيني “Yesterday the Eye Didn’t Sleep” (البارحة ما نامت عين) للمخرج والكاتب راكان مياسي.
وفي تناسق مع هذا القسم المخصص للسينيماتوغرافيات المختلفة والتجارب المتفردة، يأتي هذين العملين الفنين الذين بتقاطع فيهما الإنساني بالدنيا ويوغلان في أعماق المجتمع كل بطريقته.
وفي برمجة كان لا يمكن اختزال حضور أسماء مثل “بيدرو ألمودوفار”، و”لازلو نيميش”، و”بافيل بافليكوفسكي”، و”ريوسوكي هاماغوتشي”، في عودة مخرجين كبار، إذ أنه يعكس تثبيت معيار جمالي يراهن على الخصوصية، وعلى اللغة السينمائية التي تنبع من الداخل، لا من حسابات شباك التذاكر.
في هذا السياق، يؤشر تراجع الحضور الهوليوودي على انزياح مركز الثقل من سينما تعتمد على النجومية والتقنيات الضخمة إلى سينما تُعيد الاعتبار للأسئلة الوجودية والهواجس الإنسانية.
وتتراجع هوليوود، التي حضرت بقوة في الدورة الثامنة والسبعين( 2025)، وتسجل حضورا لتفسح المجال لسينمات أخرى كي تتنفس، كي تقول العالم بلغاتها المتعددة، وبإيقاعاتها المختلفة، وترجح كفة الحساسية الجمالية، والقدرة على اقتراح نظرة على الانتماء الجغرافي.
لكن هذا “التراجع” لا ينبغي قراءته بوصفه قطيعة، بل إعادة توزيع للأدوار. فوجود مخرج مثل إيرا ساكس، بفيلمه “The Man I Love” يذكّر بأن السينما الأمريكية المستقلة ما تزال قادرة على إيجاد مكان لها داخل هذا النسيج المتعدد.
في المقابل، يبرز الحضور القوي للأفلام الناطقة بالفرنسية، في تعبير واضح عن مركزية ثقافية تسعى فرنسا تسعى إلى ترسيخها داخل الفضاء السينمائي العالمي.
غير أن اللافت في هذا الحضور هو انفتاحه على مخرجين غير فرنسيين يشتغلون بهذه اللغة، كما في حالة نيميش وهاماغوتشي لتتحرر اللغة من فكرة كونها حدا فاصلة وتتحول إلى فضاء مشترك.
ضمن هذا التشكيل، تبرز أيضًا أسماء نسائية تحاول أن تحجز لنفسها مكانًا داخل المسابقة الرسمية، في خطوة تعكس، ولو جزئيًا، وعيًا متزايدًا بضرورة إعادة التوازن داخل صناعة لطالما هيمن عليها الصوت الذكوري.
غير أن هذا الحضور، رغم أهميته، ما يزال يطرح أسئلة حول مدى عمقه واستمراريته: هل نحن أمام تحوّل بنيوي، أم مجرد استجابة ظرفية لضغط الخطاب النقدي والإعلامي؟
قائمة الأفلام، في تنوعها، تفتح بدورها على عوالم متباينة، من السينما الأوروبية الثقيلة بأسئلتها الفلسفية، إلى السينما الآسيوية التي تواصل تفكيك علاقتها بالزمن والذاكرة، وصولًا إلى محاولات أخرى تستكشف الهامش، الجسد، والعنف الرمزي.
فيلم مثل “Minotaur” لأندريه زفياجينتسيف، على سبيل المثال، لا يمكن فصله عن سياق اشتغاله الدائم على السلطة والاغتراب، بينما يبدو “Bitter Christmas” لألمودوفار امتدادًا لذلك المزج الفريد بين الحميمي والتراجيدي الذي يميز عالمه.
وفي قسم “نظرة ما” تتجلى جرأة من نوع آخر، جرأة تذهب نحو مناطق أقل اطمئنانًا، سواء من حيث الموضوع أو الشكل. العناوين وحدها تكشف عن رغبة في استفزاز المتلقي، في خلخلة توقعاته، وربما في مساءلة الحدود الأخلاقية والجمالية للسينما.
وفي الأقسام الموازية، من “كان الأولى” إلى “العروض الخاصة” و”منتصف الليل”، يستمر هذا التنوع، كأن المهرجان يصرّ على أن يكون مرآة لكل أشكال التعبير السينمائي، لا منصة لنوع واحد.
حضور أسماء مثل ستيفن سودربيرغ ورون هوارد في العروض الخاصة يضفي بعدًا آخر، يربط بين السينما كفن والسينما كذاكرة، وكأرشيف حيّ يعيد استحضار شخصيات وأزمنة شكلت الوعي الجماعي.
اختيار بارك تشان ووك لرئاسة لجنة التحكيم امتداد لهذا الانفتاح على الشرق الآسيوي، الذي لم يعد مجرد ضيف على المهرجانات الكبرى، بل أصبح أحد صانعي ذائقتها.
وسينما بارك، بما تحمله من توتر بصري وأخلاقي، تبدو قادرة على منح هذه الدورة قراءة مختلفة للأفلام، قراءة تنصت إلى العنف الكامن خلف الصور، وإلى الجمال الذي يتسلل من شقوقه.