ليست عليسة في المخيال التونسي ملكة فينيقية وصلت إلى الشاطئ وأسست مدينة، إنها الحكاية التي سبقت المكان، والمرأة التي صنعت من المنفى بداية، ومن البحر طريقا إلى الحضارة.
لذلك، لم يكن اختيار مسرح أوبرا تونس لهذه الشخصية موضوعا لعمله الكوريغرافي الجديد عودة إلى التاريخ، بقدر ما كان عودة إلى سؤال الهوية نفسها.
كيف يمكن للرقص أن يروي سيرة امرأة أسست مدينة، دون أن يقع في استعادة الأسطورة كما كتبتها الكتب؟
منذ اللحظات الأولى، بدا أن الكوريغراف الفرنسي ماثيو جيفري لا يبحث عن إعادة تمثيل حياة عليسة، وإنما عن ترجمة معناها. فالجسد لا يؤدي أحداثا بقدر ما كان يحمل الأفكار التي صنعت الشخصية.
من القوة، والمنفى، والقرار، والخسارة، إلى فعل التأسيس، تتحول الخشبة إلى فضاء يستدعي روح قرطاج القديمة.
وفي العرض عادت عليسة إلى حقيقتها الأولى، قبل أن يحولها الأدب اللاتيني إلى امرأة عاشقة انتهت حياتها بالمأساة، فهي ليست البطلة ضحية قدرها، وإنما امرأة تمتلك رؤية سياسية، تعبر البحر لتؤسس مدينة وحضارة.
ومن هذه الزاوية، يصبح الرقص نفسه فعلا تأسيسيا، تماما كما كان عبور عليسة فعلا غيّر تاريخ المتوسط، إذ اعتمد العرض على لغة حركية تتراوح بين الانسياب والانكسار. فالمشاهد الجماعية تمثل في الوقت ذاته خلفية بصرية وتجسّد الجماعة التي تحمل معها ذاكرة مدينة لم تولد بعد.
وفي المقابل، جاءت المشاهد الفردية أكثر كثافة، حيث بدا الجسد وحيدا أمام البحر والمجهول، قبل أن يذوب تدريجيا داخل الجماعة، في استعارة واضحة لتحول الحلم الفردي إلى مشروع جماعي.
ولعل من أبرز عناصر القوة في العمل ذلك التناغم بين جميع مكوناته، فلم يكن الرقص منفصلا عن الموسيقى، ولا الأزياء عنصرا تجميليا، ولا الإضاءة إطارا خارجيا وبدت العناصر جميعها وكأنها تكتب النص نفسه بلغات مختلفة.
في هذا السياق، جاءت أزياء صالح بركة لتؤدي وظيفة درامية قبل أن تؤدي وظيفة جمالية. فقد تجنبت استنساخ الأزياء التاريخية، واختارت لغة بصرية أكثر تجريدا، تعتمد خامات طبيعية وألوانا ترابية تستدعي البحر والرمل والصخر.
ومع حركة الراقصين، تحولت الأقمشة إلى امتداد للجسد، حتى بدا القماش نفسه جزءا من الكوريغرافيا، يشارك في رسم الأمواج تارة، وفي الإيحاء بأشرعة السفن تارة أخرى.
أما الموسيقى، فقد شكلت قلب العرض النابض، وكان اللقاء بين موسيقيي أوركسترا تونس وفرقة “Les Épopées” تجربة في المزج بين الباروك والموسيقى التونسية، كما كشف عن حوار عميق بين تقاليد موسيقية تبدو متباعدة ظاهريا، لكنها تلتقي في الحرية التي تمنحها للمؤدي.
لم تكن الموسيقى الأوروبية تطغى على التونسية، ولا العكس، بل ظل كل طرف يحتفظ بخصوصيته، فيما كانت الكوريغرافيا تنسج بينهما جسرا يجعل المتوسط فضاء ثقافيا واحدا.
ومن أكثر الخيارات جرأة حضور العامية التونسية داخل العمل، ففي عرض يستند إلى أسطورة تعود إلى آلاف السنين، كان من الممكن الاكتفاء باللغة الشعرية أو بالنصوص الكلاسيكية.
لكن إدراج كلمات باللهجة التونسية أوجدتها الفنانة صبرين جنحاني منح العرض بعدا مختلفا.
فجأة، لم تعد عليسة ملكة بعيدة في الزمن، بل صارت أقرب إلى امرأة تنتمي إلى هذا المكان، تتحدث بلغته، وتخاطب ذاكرته اليومية لتستعيد العامية الشخصية من الأسطورة وتعيدها إلى الناس.
وتسربت أصوات نسرين المهبولي ومرام بوحبل وهيثم الحضيري بالكلمات المنظومة بشاعرية جعلتها امتدادا للموسيقى وللرقص.
وبين العزف والغناء والرقص، نجح كل الفريق
في بناء أداء جماعي اتسم بالانسجام والدقة. فلم يكن أي جسد يسعى إلى الهيمنة على المشهد، وكانت البطولة موزعة بين المجموعة، انسجاما مع فكرة العمل التي ترى أن تأسيس الحضارات فعل جماعي، حتى وإن ارتبط باسم شخصية واحدة.
وفي كل تفاصيله يبدو “عليسة” قراءة معاصرة للماضي، فهو لا يسأل كيف تأسست قرطاج، بل كيف يمكن للفن اليوم أن يعيد التفكير في الشخصيات المؤسسة، بعيدا عن الصور النمطية التي التصقت بها عبر القرون. لقد اختار مسرح أوبرا تونس أن يروي تاريخ عليسة بالجسد والموسيقى والضوء واللغة، فجاء العمل احتفاء بامرأة صنعت مدينة، وبحضارة مازلت ، بعد قرون ، قادرة على إلهام فنون جديدة.