ما الذي يمكن لصوت أن يفعله حين يكون الجمهور حافظا للأغنية منذ النوتة الأولى؟ وكيف يمكن لمطربة أن تترك بصمتها الخاصة في أغنيات تسكن ذاكرة الناس منذ سنوات، فيما أصوات عديدة في المدرجات تعرف مسبقًا كل كلمة وكل مذهب وكل منعطف موسيقي؟
أسئلة كثيرة تناثرت على عتبات المسرحي الأثري بقرطاج، في ثالث لقاء للفنانة المصرية مي فاروق بجمهورها في تونس، حيث لم تكن وحدها صانعة الحكاية، كان الجمهور شريكا كاملا فيها، يُغني، يردد، يسبق، ويستدعي من الذاكرة أغنيات بدت كأنها لم تغادر يوما.
دخلت مي فاروق إلى قرطاج محمّلة بصوت يعرف جيدًا كيف يتعامل مع الأغنية العربية الطربية، لكنها وجدت أمامها جمهورا تونسيا لا يريد أن يكون مستمعا فقط، جمهورا يريد أن يغني معها، وربما قبلها.
من “يا شمس يا منورة غيبي” إلى “حبايبنا”، اختالت الفنانة مي فاروق في مساحة خاصة بها جعلت من الأغنيتين امتداد لأغاني الزمن الجميل المألوفة في الوجدان العربي.
وفي “من أجل عينيك عشقت الهوى” استعاد الجمهور المذهب معها، قبل أن يعود في الجملة الأخيرة وكأنه جزء من الفرقة الموسيقية.
كان واضحا منذ البدايات أن مي فاروق لا تواجه جمهورًا يكتشف الأغنيات، بل جمهورا يعرفها ويحفظها ويتعامل معها كجزء من ذاكرته الخاصة.
وفي “فكروني”، حضرت أم كلثوم من خلال أغنية لا تحتاج إلى تقديم طويل، يكفي أن تبدأ الجملة الأولى حتى تتكفل الذاكرة بالباقي.
أما مع “أنا وانت ظلمنا الحب”، فقد بدا أن الجمهور لا يكتفي بالاستماع إلى الأغنية، إنما يستعيدها كما لو أنه يعيد فتح صفحة قديمة من حياته.
ومع كل أغنية يتضاعف التفاعل، وتتحول المدرجات إلى كورال واسع لتتبدّى خصوصية علاقة مي فاروق بالجمهور التونسي الذي لم يكن ينتظر تمنحه الأغنية، كان يعرف متى يمنحها صوته يسبق المطربة إلى الكلمات، يلتقط المذهب قبل أن تبدأه.
حتى أن الحماس بلغ في إحدى اللحظات درجة جعلت الجمهور يفسد العزف المنفرد على الكمنجة، وبينما كان يفترض أن تأخذ الآلة مساحتها الموسيقية، ظل صوت الجمهور حاضرا بقوة.
قد تكون هذه لحظة تحتاج، من الناحية الموسيقية، إلى شيء من الانضباط، لكنها من الناحية الإنسانية والاجتماعية تقول الكثير عن جمهور يريد أن يغني.
ولأن العلاقة بين مي فاروق وتونس ليست وليدة هذه الليلة، فإن عرضها في “قرطاج أوف” جاء كحلقة جديدة في سلسلة لقاءات بدأت من دقة، وتواصلت في البرمجة الرسمية لمهرجان قرطاج الدولي السنة الماضية.
هذه العلاقة تتراكم مع كل لقاء، وتتحول من إعجاب بصوت إلى ألفة بين فنانة وجمهور، وفي المسرح الأثري بدا أن المسافة بين مي فاروق والجمهور التونسي قد تراجعت كثيرا، ولم تكن الفرقة الموسيقية بعيدة عن صناعة هذا الانسجام.
على الركح، رافق مي فاروق عازفون تونسيون من أجيال مختلفة، في تركيبة موسيقية تستحق الانتباه.
أجيال تتجاور على الخشبة، وخبرات مختلفة تلتقي حول الأغنية، لتؤكد أن الموسيقى قادرة على صناعة حوار بين الأزمنة وبين البلدان.
كانت الفرقة تعرف كيف تترك للصوت مساحته، وكيف تحافظ على روح الأغنيات، دون أن تتحول إلى مجرد خلفية للمطربة. وفي بعض اللحظات، بدا الحوار بين الصوت والآلات جزءًا من جمالية السهرة، حتى عندما كان الجمهور يصرّ على التدخل بصوته.
ثم كان لتونس نصيبها الخاص من السهرة، إذ غنّت مي فاروق لتونس باللهجة المصرية، في عمل من كلمات محمد بسكري وألحان محمد الأسود، احتفاءً بتونس وبجمهورها.
وكانت الأغنية بمثابة تحية موسيقية لبلد اختارته مي فاروق محطة متكررة، ولجمهور لم يتعامل معها كضيفة عابرة وقطعت له وعدا بأن تغني باللهجة التونسية.
وبين محطات مختلفة من الذاكرة الموسيقية العربية تنقلت مي فاروق، ومع “جانا الهوى” أعادت الجمهور إلى منطقة الغناء الجماعي، بينما جاءت “مالي وأنا مالي” لتؤكد أن الأغنية القديمة مازالت قادرة على صناعة لحظة حية، حين تجد صوتا يعرف كيف يحملها وجمهورا يعرف كيف يستقبلها.
ثم حضرت “نسيانك صعب أكيد” لهاني شاكر، لتفتح نافذة أخرى على الأغنية العربية وتستحضر فنانا رحل جسده عن هذا العالم ولكن إرثه الموسيقي يبقيه حيا.
وفي “عيون القلب”، يواصل الصوت إثبات مساحته الطربية، وبدت قدرة مي فاروق على التعامل مع الجملة الطويلة والتصعيد الصوتي واضحة أمام جمهور قرطاج.
وكانت تصغي إلى جمهور يرد عليها، إلى أصوات تسبقها، إلى تصفيق يقطع أحيانًا الجملة الموسيقية، وإلى ذاكرة جماعية تريد أن تكون حاضرة على الركح.
ولهذا تجاوزت السهرة الساعتين دون أن تبدو كأنها سباق مع الزمن، كانت كل أغنية تستدعي أخرى، وكل أغنية تفتح بابًا في الذاكرة، والجمهور يواصل الدخول من باب إلى آخر.
وكانت المسافة بين مي فاروق وجمهورها قصيرة لتبدأ الأغنية فيكملها الجمهور، وتصمت لحظة، فيملأ الجمهور الصمت، وتبدأ المذهب، فتجد آلاف الأصوات سبقَتها إليه.
ومن أم كلثوم إلى هاني شاكر، ومن الذاكرة المصرية إلى التحية التونسية ظلت السهرة تتحرك داخل فضاء عربي واسع، لكن قلبها ظل تونسيا
تونس كانت حاضرة، في الفرقة الموسيقية، وفي الجمهور، وفي وعد المطربة بأن تعود بأغنية باللهجة التونسية.
من دقة إلى قرطاج، ومن لقاء إلى آخر، يبدو أن مي فاروق بنت مع الجمهور التونسي علاقة تتجاوز التصفيق.
علاقة تقوم على الذاكرة، وعلى الأغنية، وعلى ذلك الشيء الذي لا يمكن قياسه بالأرقام: الألفة.
وفي انتظار أن تفي بوعدها وتغني باللهجة التونسية، تركت مي فاروق على ركح قرطاج أكثر من صوت.
تركت سهرة طويلة، جمهورًا غنّى معها، وفرقة تونسية جمعت أجيالًا مختلفة، وتحيات حملتها الكلمات والألحان إلى تونس، ووعدًا بمزيد من الاقتراب.
*الصورة من الصفحة الرسمية للفنانة مي فاروق