يبدأ فيلم “غرق” للمخرجة الأردنية زين دريعي من شعور يصعب استيعابه، شعور يشبه الوقوف على ضفة نهر وأنت ترى شخصا تحبه يبتعد مع التيار، فيما تكتشف أن كل محاولاتك للإنقاذ تزيد الماء عمقا.
ومن هذا المنطلق، يتجاوز العنوان الاستعارة الشعرية ليبدو توصيفا لحالة وجودية، فالغرق هنا لا يصيب الجسد، بل الذاكرة، والعائلة، واللغة، والحب نفسه.
في أول أفلامها الروائية الطويلة، لا تسعى دريعي إلى تقديم فيلم عن المرض النفسي، ولا عن الأمومة، ولا حتى عن العلاقات الأسرية بوصفها موضوعا اجتماعيا، بل تبني سيكودراما دقيقة عن الإنكار باعتباره الوجه الآخر للحب. إنها تنقل المأساة من مستوى الحدث إلى مستوى الإدراك، حيث تتبدّى الكارثة الحقيقية في ما يحدث للأم وهي تحاول ألا تصدق ما يحدث لابنها.
الفيلم، الذي تنقل بين تورونتو ومانهايم وأيام قرطاج السينمائية ومهرجان البحر الأحمر، ليحط الرحال في مهرجان عمان السينمائي الدولي، يثبت منذ لحظاته الأولى رهانه على بناء التجربة الشعورية أكثر من بناء الحبكة، إنه عمل يراكم الإحساس بدلا من الأحداث، ويجعل المتفرج يعيش الاختناق ذاته الذي يبتلع شخصياته.
ولقطتة الافتتاحية تؤسس بصريا لكل ما سيأتي في ما بعد، فوجود باسل داخل الماء ونادية خارجه يفتح فضاء تأويليا سيظل الفيلم يوسّعه حتى النهاية، فيما يحدد الفيلم ثيمته الأساسية وهي المسافة، ليست الفيزيائية، بل النفسية، تلك الهوة التي يمكن أن تفصل بين أم وابنها رغم أنهما يعيشان تحت السقف نفسه.
في المقدمة البصرية، تقرر زين دريعي أن علاقتها بالشخصيات ستكون علاقة مراقبة لا هيمنة، فالكاميرا لا تقتحم الصمت ولا تفسر المسكوت عنه ولا تصدر أحكاما، إنها تراقب كما تراقب الأم ابنها، وكما يراقب المتفرج الاثنين معا، عاجزا عن التدخل.
هذه المقاربة تتحول داخل “غرق” إلى خيار جمالي يحدد السيناريو، وحركة الكاميرا، والإيقاع، والصوت، وحتى أداء الممثلين. فالفيلم يرفض أن يجعل من المرض محورا للفرجة، فلا يشرح، ولا يشخّص، ولا يقدم خطابا توعويا.
إنه يزيح العدسة عن الابن ليضعها على الأم، فالحدث الحقيقي لا يقع داخل نفس باسل، بل داخل وعي نادية، فالغرق الذي يتحدث عنه العنوان لا يبدأ حين ينهار الابن، بل حين تبدأ الأم في اختراع التفسيرات التي تؤجل الاعتراف بانهياره.
بهذا المعنى، يقلب الفيلم المعادلة التقليدية للدراما الأسرية، ففي معظم الأفلام، تكون الأم هي نقطة الاستقرار، أما هنا فهي الشخصية الأكثر هشاشة، لأنها تحب أكثر مما ينبغي، فالحب، ما وراء الإطار، قد يصبح ستارا يحجب الواقع.
“غرق” يكاد يخلو من العقدة التقليدية، لا توجد مفاجآت كبرى، ولا انعطافات ميلودرامية، ولا أسرار مؤجلة، فالمخرجة لا تريد من المتفرج أن ينتظر ما سيحدث، لأن ما سيحدث واضح منذ البداية، والسؤال الحقيقي لا يتعلق بالمآل المآل، وإنما بكيفية تآكل الشخصيات وهي تتجه نحوه.
هذا الاختيار يمنح الفيلم بنية سيكودرامية خالصة، إذ يتراجع الحدث الخارجي باستمرار، بينما تتقدم الحركة الداخلية للشخصيات، ويضيف كل مشهد طبقة جديدة إلى الحالة النفسية.
وعلى إيقاع تحول الزمن إلى عنصر درامي، تتحول وحدة قياسه من الدقائق والساعات والأيام إلى درجات الإنكار. وكلما طال إنكار نادية، شعر المتفرج بأن الزمن نفسه أصبح أثقل، لذلك يبدو الإيقاع بطيئا لمن ينتظر تطورا حكائيا.
فيما تفقد العلاقات قدرتها على إنقاذ نفسها، يكتب الفيلم شخصياته من الداخل، “باسل” إنسان لا حالة سريرية، و”نادية” أمّ مثقلة لا مثالية، والأب طرف مرتبك لا خصما، والمجتمع يتأرجح بين الخير والشر، الجميع يتحرك داخل منطقة رمادية، حيث تختلط النيات الحسنة بالنتائج المؤلمة.
أما البنية الدرامية فتقوم على تصاعد بطيء يشبه تسرب الماء إلى جدار قديم، لا يحدث الانهيار دفعة واحدة، وإنما عبر تشققات صغيرة تتراكم حتى يصبح السقوط حتميا.
هنا، تظهر براعة السيناريو في إدارة الإيقاع النفسي، فكل مشهد يبدو امتدادا لما سبقه، حتى الصمت يحمل وظيفة درامية، لأن الشخصيات تعجز تدريجيا عن تسمية ما يحدث لها.
وإذا كان باسل هو محور الأحداث، فإن نادية هي مركز الفيلم الحقيقي، كل ما نراه يمر عبر وعيها، أو بالأحرى عبر إنكارها. فدريعي لا تكتب أما ضحية، بل امرأة تتآكل من الداخل، إنها شخصية تتحرك بين غريزتين متناقضتين، بين الرغبة في حماية ابنها، والخوف من الاعتراف بأنها لم تعد قادرة على حمايته، وهنا يبلغ الفيلم ذروته النفسية.
وهي تتعامل مع الصورة بأسلوب مختلف، لا تبحث عن اللقطة المبهرة، ولا عن الاستعراض البصري، ليخدم كل اختيار إخراجي الحالة النفسية. الكادرات غالبا ضيقة، وكأن الشخصيات محاصرة داخل عالمها، وحين تبدأ نادية بمواجهة الحقيقة، يتسع المجال البصري تدريجيا، على نسق تصدع الوهم. هذا الانضباط الإخراجي ينعكس، أيضا، في إدارة الممثلين، فلا أحد يصرخ أكثر مما ينبغي، ولا أحد يبكي لاستدرار التعاطف، وتنمو المشاعر داخل الصورة وحدها.
لا يمكن الحديث عن “غرق” دون التوقف عند عمل مدير التصوير التونسي فاروق العريض الذي أجاد تحريك الكاميرا في المناطق الرمادية التي تنحصر فيها الشخصيات. في لحظات الارتباك، تقترب العدسة حتى تكاد تلامس الوجوه، وفي لحظات العجز، تتراجع تاركة الشخصيات تائهة داخل الفراغ.
الكاميرا لا تكتفي بتسجيل انفعالات الشخصيات، بل تعيد تشكيل علاقتها بالفضاء. فالمنزل، الذي يفترض أن يكون ملاذا، يتحول تدريجيا إلى مكان تتقلص فيه المسافات الجسدية وتتسع فيه المسافات النفسية، في مفارقة بصرية شديدة القسوة.
الإضاءة الطبيعية تمنح الفيلم ملمسا واقعيا، لكنها في الوقت نفسه تخلق شعورا دائما بأن الضوء نفسه عاجز عن اختراق العتمة الداخلية، ويظهر الماء كإيقاع بصري متكرر، يعود في أشكال مختلفة ليذكرنا بأن الغرق ليس حادثة، وإنما حالة.
والفيلم يعتمد على تصميم صوتي بالغ الذكاء، يتحول معه الماء والتنفس والخطوات والفراغ إلى أدوات سردية، وغياب الموسيقى في لحظات كثيرة منح الصمت ثقله الحقيقي..
وعلى مستوى الأداء تقدم كلارا خوري واحدا من أكثر أدوارها نضجا، فهي لا تؤدي شخصية نادية، بل تعيشها، ويتحول وجهها إلى مساحة تتصارع فيها الرغبة في الصمود مع التعب المتراكم، وتبدو كل نظرة حوارا كاملا.
في المقابل، يقدم محمد نزار أداء داخليا شديد الحساسية، لا يعتمد على الانفعالات الحادة، بل على الانكماش، فكلما صمت أكثر، تكلمت الشخصية أكثر.
هذه الثنائية التمثيلية تمنح الفيلم نبضه الإنساني، لأن العلاقة بينهما تبدو حقيقية إلى حد مؤلم، وهذا ما ينسحب على بقية الشخصيات.
ومن أهم ما يميز “غرق” أنه يرفض أن يكون “الفيلم العربي” كما يتخيله الآخر، فهو يتجنب استثمار “المأساة”، ويحجب عن مشاهديه راحة النهاية التقليدية، ولا يوزع الخلاص على شخصياته، ولا يقترح حكما أخلاقية.
إنه يترك الباب مواربا لأن الجراح النفسية لا تنتهي مع نزول شارة النهاية، ويعيد تعريف الأمومة خارج صورتها الأسطورية، لا ينتقص منها، بل يعيدها إلى حجمها الإنساني، فالأم ليست كائنا يعرف دائما الطريق، هي إنسان يمكن أن يضلّه الحب، ويمكن أن يقوده خوفه إلى قرارات تزيد الألم بدلامن أن تخففه.
الفيلم لا يصور الغرق باعتباره لحظة اختناق، بل باعتباره إقامة طويلة داخل منطقة رمادية، إنه تجربة سينمائية لا تنتهي عند موضوعها، بل عند الأسئلة التي تتركها معلقة في ذهن المتفرج.
وإذا كان “غرق” يترك هذا الأثر العميق، فلأن زين دريعي صنعت الفيلم انطلاقاً من القناعة نفسها التي دافعت عنها خلال جلسة “إعادة تشكيل الصورة النمطية في السينما الأردنية” ضمن أيام عمان للصناعة، في الدورة السابعة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي.
فقد أوضحت أن المشروع، الذي أنجزته مع المنتج علاء الأسعد، خاض رحلة طويلة ومليئة بالتحديات، لأن الملاحظات التي كانت تتكرر في مراحل التطوير لم تتعلق بجودته الفنية بقدر ما كانت تتساءل “هل يبدو الفيلم “أردنياً بما يكفي”؟”
بالنسبة إليها، تكشف هذه الملاحظات عن أزمة أعمق تتعلق بالصورة النمطية التي يُنتظر من السينما العربية أن تعيد إنتاجها، فالفقر، وقمع المرأة، واللجوء، والحرب، تكاد تتحول إلى قوالب جاهزة يُقاس من خلالها مدى “محلية” الفيلم.
لذلك اختارت أن تطرح قضية شائكة مثل الصحة النفسية، وهي من الموضوعات التي لا تحظى بكثير من النقاش.
وترى دريعي أن السؤال الحقيقي لا ينحصر في كيفية تقديم مشكلة ترضي توقعات الخارج، بل في كيفية طرح المواضيع من دون الوقوع في الصور النمطية، وكيف ملامسة الجمهور ليتذكر الفيلم بعد خروجه من القاعة.
وفي سياق متصل، أكدت أنها لم تفكر أثناء الكتابة في الأبعاد الدينية أو الاجتماعية بوصفها أدوات تفسير، بل انطلقت من شخصيات حقيقية كتبتها “من قلبها”، على حد تعبيرها، لا من أجل الحصول على الدعم أو الوصول إلى المهرجانات، وإن كانت تلك الرحلة انتهت بالفعل إلى حضور دولي لافت.
وبالنسبة إليها، فإن النجاح لا يقاس بعدد الجوائز، بل بقدرة الفيلم على أن يمثل نفسه بصدق، لأن قوة السينما تكمن في كونيتها، لا في خضوعها لقوالب الهوية الضيقة.
وتنسجم هذه الرؤية تماماً مع ما يقدمه “غرق” على الشاشة، فالفيلم يرفض الميلودراما كما يرفض الشرح المباشر، إذ تقول دريعي إن السينما بالنسبة إليها هي “كل ما تشعر به، وكل ما لا تراه”، ولذلك تعتمد على الإيحاء أكثر من التفسير، وهو ما يفسر اقتصاد الفيلم في الحوار، واعتماده على الصورة والصمت والمسافات النفسية بوصفها أدوات للسرد.
كما كشفت أنها تطور حالياً تصوراً لفيلمها المقبل، مؤكدة أنها لا تبدأ أي مشروع وهي تفكر في المهرجانات أو في الموضوعات التي قد تبدو جذابة للمتلقي الأجنبي، لأن هاجسها الأول يظل كتابة فيلم صادق، لا فيلم يستجيب لفكرة مسبقة عن المنطقة.