في سهرة اختتام الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية، مساء السبت 10 أكتوبر 2026، اعتلت الفنانة السورية فايا يونان ركح مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة، حاملة معها رصيدا غنائيا يتأرجح بين الاعتراف العاطفي واستعادة الذاكرة والتعبير عن أسئلة الوطن والإنسان.
وكان اللقاء بين الفنانة وجمهورها عبورا بين حكايات الحب والغياب، من سوريا التي تسكن أغنياتها إلى تونس التي وجدت فيها، منذ زيارتها الأولى سنة 2017، شيئا من الألفة والانتماء.
“اشتقت لكم كثيرا، شكرا لأنكم جمهور مميز، منذ زيارتي الأولى إلى تونس في 2017 شعرت أنني ابنة هذا البلد”، قالت فايا في مستهلّ السهرة.
كلمات بسيطة اختصرت علاقة لم تبنها الأغنيات وحدها، ورسّخها ذلك القرب الذي تنشئه الموسيقى حين تتجاوز اختلاف اللهجات والجغرافيا، وتصل إلى منطقة مشتركة من الإحساس.
بصوتها الذي لا يحتاج إلى المبالغة ليبلغ مستمعيه، مضت فايا يونان في برنامج تنقّلت خلاله بين “في الطريق إليك” و”ما كنت أدري” و”بيناتنا في بحر” و”غني”، قبل أن تستعيد “متل اليوم” و”بحق الهوى” و”حب الأقوياء” و”على غفلة طليت”. أغنيات تتباين موضوعاتها، لكنها تلتقي عند قدرة الكلمة على التقاط ما يتعذّر قوله مباشرة، تلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع العلاقات، وما يتركه الحب من أثر، وما تخلّفه المسافات حين يصبح الغياب جزءا من الحياة اليومية.
في هذه التجربة، لا ينفصل الصوت عن الحكاية التي يحملها فالأغنية عند فايا لحن جميل ومساحة لاستعراض القدرة الصوتية، ومحاولة لقول شيء عن الإنسان في لحظات ضعفه وقوته، عن حاجته إلى الحب وعن خوفه من الفقد.
أغنياتها نتجاوز حدود التجربة الفردية لتجد صداها لدى مستمعين مختلفين، لكل منهم حكايته الخاصة التي قد يلتقي فيها، من حيث لا يدري، بحكاية الأغنية.
لكن الذاكرة التي استحضرتها فايا في مسرح الأوبرا لم تكن عاطفية فقط. خلف الأغنيات، ثمة سوريا بما تحمله من وجع وحروب وحنين، وثمة أوطان يختبر أبناؤها معنى الفقد، فيما يظلّ الأمل ضرورة لمواصلة الحياة.
وفي هذا السياق، أدّت “شعوب الحياة”، موجّهة تحية إلى سوريا وفلسطين، لتتسع الأغنية من مساحة البوح الشخصي إلى موقف إنساني يرفض الحرب وما تخلّفه من خسارات.
لم تكن فلسطين، في هذه اللحظة، اسما يمرّ في تحية عابرة، ولا سوريا خلفية تنتمي إليها الفنانة. كانتا جزءا من المعنى الذي حملته الأغنية، ومن سؤال الحياة حين تصبح مهدّدة، وحين يدفع المدنيون ثمن الحروب من بيوتهم وذكرياتهم وأحلامهم. ولعلّ ما تمنحه الموسيقى في مثل هذه اللحظات هو قدرتها على إبقاء الإنسان في مركز الحكاية، وعلى تذكيرنا بأن خلف الأرقام والأخبار وجوها وحيوات كان يمكن أن تستمر لولا الحرب.
ومن وجع الأوطان إلى وجع الغياب، انتقلت السهرة إلى الذاكرة التونسية. أهدت فايا يونان أغنية “ديما ديما” إلى روح ياسر الجرادي، الفنان الذي غادر جسدا وظلّ حاضرا بما تركه من كلمات وألحان وأثر في محيطه الثقافي والإنساني. لم تكن التحية منفصلة عن سياق الحفل، وجاءت امتدادا لفكرة أن الأغنية قادرة على مقاومة النسيان، وأن ما يتركه الفنان يستمرّ في أصوات الآخرين وفي ذاكرة من أحبّوا فنه.
في الغياب، تستعيد الأغنية قدرتها على أن تكون شاهدا. يعود الصوت إلى صاحبه، وتعود الكلمات إلى الذين حفظوها، ويصبح الأداء لحظة لقاء مع من استحال لقاؤه.
وحضرت ذكرى ياسر الجرادي في سهرة الختام في انعكاس لذاكرة موسيقية تونسية تواصل الحياة من خلال أعمال أصحابها.
أما تونس، فلم تكن فقط المكان الذي احتضن الحفل، وحضرت في تفاصيله الغنائية أيضا. وأدّت فايا “نفرح برشة كي تسمعني”، من كلمات محمد بسكري وألحان محمد الأسود وتوزيع محمد بن صالحة في تحية تحمل خصوصية العلاقة التي تجمعها بالجمهور التونسي، قبل أن تواصل برنامجها بأغنيات من رصيدها، من بينها “روحي وروحك” و”يا ليته يعلم” و”فصول الحياة” و”يا قاتلي” و”أحب يديك”. وبين أغنية وأخرى، كانت تتنقّل بين حالات شعورية مختلفة، من الاعتراف العاطفي إلى التأمل في تقلّبات الحياة، دون أن تفقد السهرة وحدتها.
وقبل الختام، استحضرت فايا الذاكرة الغنائية العربية بأداء “يوما على يوم” لفهد بلان، ثم اتجهت نحو التراث التونسي من خلال وصلة للهادي الجويني.
مرجعيات موسيقية مختلفة، تجمعها قدرة اللحن على البقاء، مهما تغيّرت الأزمنة والأصوات.
في ختام أيام قرطاج الموسيقية، لم تبحث فايا يونان عن خاتمة صاخبة بقدر ما تركت للأغنيات أن تقول ما لديها.
من الحب إلى الحرب، ومن سوريا إلى فلسطين، ومن ذكرى ياسر الجرادي إلى أغاني الهادي الجويني، تشكّل البرنامج من محطات متباعدة في ظاهرها، لكنها تلتقي عند الإنسان، في ما يحبّه ويخسره، وفي حاجته الدائمة إلى ما يمنحه سببا للأمل.
وانتهت السهرة، وظلّت الأغنيات مفتوحة على ما يتجاوز لحظتها، ذاكرة لا تتوقف عند حدود الماضي، وأوطان تحضر حتى في المسافات، وأسماء يواصل أصحابها الغياب فيما تواصل أعمالهم الحضور.