لا أعرف إن كان اختيار فيلم “كيرة والجن” على شاشة الطائرة محض مصادفة، أم أن للرحلات الطويلة طريقتها الخاصة في ترتيب الحكايات.
كنت في الطريق من تونس إلى الأردن، فيما كانت الشاشة الصغيرة تحملني إلى مصر الأربعينيات، إلى زمن مقاومة الاحتلال، وإلى شخصيات تعرف جيدا أن الحرية ليست منحة، وأنها تُنتزع انتزاعا.
وبينما كان الفيلم يقترب من نهايته، كانت الطائرة تبدأ هبوطها نحو عمّان.
رفعت رأسي عن الشاشة ونظرت من النافذة.
كانت طواحين الهواء أول ما استقبلني.
وقفت على التلال، بأذرعها الطويلة التي تدور في مواجهة الريح، فبدت لي كأنها حراس صامتون على تخوم المكان.
حينها، لم أرَ منشآت لإنتاج الطاقة، رأيت الريح نفسها تلك القوة التي تعبر الجغرافيا من دون جواز سفر، ولا تتوقف عند معبر أو حدود.
وحضرت فلسطين، لم تكن أمامي على الخريطة، كانت في الخيال، وفي الذاكرة، وفي تلك الريح التي تتحرك بين التلال، كأنها تحمل أخبار الأرض من مكان إلى آخر.
تذكرت فلسطين لأن هذا الجزء من العالم لا يترك لك كثيرًا من المساحات كي تنظر إلى الأفق دون أن يمر اسمها في القلب أولًا.
ربما لهذا بدت لي طواحين الهواء أكثر من صورة عابرة من نافذة طائرة، بدت استعارة كاملة لرحلة لم أكن أعرف، وأنا أغادر تونس، أنها ستأخذني أبعد من المسافة بين بلدين.
لطالما كان الأردن بالنسبة إليّ حلما قديما، حلما تشكل في سنوات الطفولة، من صور وشاشات وحكايات، ثم كبر بهدوء حتى صار رغبة في الوصول. وها أنا أصل أخيرا، في رحلة تقودها السينما.
جئت إلى عمّان من أجل مهرجان عمّان السينمائي الدولي، ذلك الموعد الذي يجمع أفلاما وصناعا من العالم العربي، في فضاء تتجاور فيه الحكايات، وتتقاطع فيه الأسئلة حول الإنسان والهوية والذاكرة والمكان.
ولعل أجمل ما تمنحنا إياه السينما أنها تعلّمنا السفر مرتين، مرة بالجسد، ومرة بالصورة.
في ساعات قليلة، كنت أعبر من مقاومة القاهرة في “كيرة والجن” إلى شوارع عمّان.
من شاشة تستعيد مواجهة الاستعمار إلى مهرجان تلتقي فيه أفلام فلسطينية وسورية ولبنانية وتونسية ومصرية وغيرها، وتتجاور تجارب مختلفة يجمع بينها سؤال قديم ومتجدد: كيف نحكي أنفسنا؟
كان غريبا، وربما طبيعيا في الوقت نفسه، أن أشعر منذ اللحظات الأولى بأن فلسطين قريبة، قريبة مسافة، وقريبة حضورا.
في الوجوه واللهجات والأحاديث الجانبية، في أسماء الضيوف، وفي الأفلام التي تحملها الدورة، وفي ذلك الإحساس العميق بأن الثقافة العربية ما تزال قادرة على جمع ما فرّقته السياسة والحدود.
هناك أشياء لا تحتاج إلى معبر كي تعبر، الذاكرة واحدة منها، واللغة واحدة، والسينما واحدة، وربما الريح أيضا.
تخيلت تلك الريح وهي تمر فوق فلسطين، تعبر الأغوار، وتواصل طريقها نحو الأردن. لا تسألها الجغرافيا من أين جاءت، ولا تطلب منها أن تتوقف عند خط على الخريطة. تعبر فقط، كما تعبر الحكايات حين تجد طريقها إلى الآخرين.
وربما لهذا شعرت أن بين الريح والسينما قرابة خفية.
كلتاهما تعبران الحدود، كلتاهما تحملان أثر الأماكن إلى أماكن أخرى، وكلتاهما قادرتان على إعادة الذاكرة إلى الحياة، حتى حين نظن أنها ابتعدت كثيرا.
وأنا أنزل من الطائرة، أدركت أن رحلتي إلى الأردن لم تبدأ عند بوابة المطار، ولا حين أقلعت الطائرة من تونس، ربما بدأت منذ اللحظة التي اخترت فيها مشاهدة “كيرة والجن”.
كان الفيلم رفيق سفر، لكنه كان أيضا مفتاحا أول لقراءة المكان، جعلني أصل إلى عمّان وأنا محمّلة بأسئلة الحرية والانتماء والهوية والمقاومة؛ أسئلة أعرف أنني سأجد أصداءها في قاعات مهرجان عمّان السينمائي، حتى وإن اختلفت اللغات والأساليب والرؤى.
وعندما عادت عيناي إلى طواحين الهواء، بدت لي أكثر وضوحا، لم تعد مجرد أجسام بيضاء تدور فوق التلال، كانت الريح وهي تتحول إلى صورة، وكانت الصورة وهي تستعيد الذاكرة.
وكانت الذاكرة، مرة أخرى، تقودني إلى فلسطين.
هكذا وصلت إلى الأردن، من فيلم عن مقاومة في مصر، إلى طواحين هواء فوق تلال عمّان، إلى ريح تخيلتها عابرةً من فلسطين، ثم إلى مهرجان تحتشد فيه سينماءات عربية وعالمية كثيرة، لكل واحدة منها حكايتها، لكن بينها خيط لا ينقطع.
ربما كانت تلك مصادفة الطائرة، وربما كانت السينما، كعادتها، تعرف الطريق قبلنا.
فالحدود قد تفصل المدن على الخرائط، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تفصل الريح عن الريح، ولا الحكاية عن الحكاية.
وفي تلك الرحلة، كانت طواحين الهواء أول ما أسر لي الأردن “إن الريح لا تعترف بالحدود، والسينما أيضا، والمقاومة.