“ليمن يمزّك” عرض حيّ غامر تلتقي فيه أصوات الجنوب التونسي العتيقة وإيقاعاته مع مشاهد صوتية إلكترونية معاصرة.
العرض يستعيد رحلة عبر الذاكرة والهوية الجماعية، لكن عبر إعادة تخييلها بأدوات وتقنيات حديثة.
من خلال الموسيقى والصورة والفضاء، يدعو “ليمن” الجمهور إلى حوار شعري بين التراث والمستقبل، حيث تتحول كلّ تجربة عرض إلى احتفاء بالموروث ورؤية لما يمكن أن يكون.
في ليلة من ليالي قابس سينما فن، تظهر طبقة أخرى من الجنوب في سوق جارة، طبقة تعيد ترتيب الموروث داخل تجربة حسية مركّبة تستدرج المتفرج إلى حالة يحمل فيها الصوت حكايات قديمة، تتردد كأصداء بعيدة في جسد المكان.
ينفتح العرض على خامات صوتية تستلهم من الغناء التقليدي والإنشاد الصوفي، لكنها سرعان ما تنزلق نحو تحويرات إلكترونية تجعلها تبدو كأنها قادمة من زمنٍ آخر، أو من ذاكرة تشتغل عبر وسيط تقني.
بصريًا، يشتغل العرض على اقتصادٍ دقيق في الصورة، حيث تتقاطع الإضاءة مع الإسقاطات لتخلق فضاءً مخصوصا.
وتتحرك الأجساد الحاضرة كأنها تلتقط ذبذبات غير مرئية، أو تستجيب لنداءٍ قادم من عمق الذاكرة الجماعية على وقع مزيج بين “الأصلي” و”المُستعاد”.
وما يلفت في “ليمن يمزّك” هو قدرته على تحويل الجنوب من موضوع إلى تجربة، فالجنوب هنا ليس جغرافيا، بل حالة سمعية وبصرية، تتشكل من طبقات، أصوات نساء، وإيقاعات احتفالية، وأنفاس صوفية.
ويشتغل العرض على ما يمكن تسميته بـ”أرشيف حسّي”، حيث تظهر عناصر التراث داخل بنية جديدة.
ضمن برمجة قابس سينما فن، التي تراهن على تقاطع السينما مع الفنون البصرية والموسيقى، يأتي هذا العمل كامتداد طبيعي لروح المهرجان، لكنه في الآن ذاته يفتح مسارًا خاصًا.
فهو لا يكتفي بعرض مادة فنية، بل يقترح تجربة تأملية في معنى الهوية، تتجلى المجموعة كجسدٍ صوتي جماعي، تتقاطع داخله طبقات متباينة من الحضور.
ريهام قواسمية، وأريج جواشي وفداء غريسي نساء يقفن في الواجهة، كحاملات لذاكرة صوتية كثيفة وتتلون الأصوات بين الغناء، والإنشاد، والزغاريد التي تخترق الفضاء كنبضٍ احتفالي مفاجئ، يعيد ربط اللحظة بعمقها الطقوسي.
إلى جانبهن، يتموضع أيمن قوباع خلف أجهزة الموسيقى الإلكترونية، كمن يعيد تشكيل هذه الأصوات في الزمن نفسه، يلتقطها، ويفككها، ويعيد بثّها في هيئة موجات جديدة.
على الخشبة، تتجاور الآلات، الشقاشق بإيقاعها المعدني الحاد، تستدعي أجواء السطمبالي والطقوس الشعبية، فيما تنسج الأجهزة الإلكترونية طبقة موازية، تجعل الإيقاع ينزلق بين ما هو مألوف وما هو غريب.
وعلى إيقاع حوار حيّ لا تلغي التكنولوجيا الأثر البدوي، يتحول الفضاء إلى حلقة شبه احتفالية وتتحرك الأجساد، وتتبدل الإيقاعات وتتصاعد الزغاريد من بين الحضور لتلتحم مع ما يصدر عن الخشبة.
تجربة تتداخل فيها الأصوات النسائية، الأجهزة الإلكترونية، والشقاشق، والزغاريد، ضمن نسيج واحد، يُعيد كتابة العلاقة بين التراث والجسد والتكنولوجيا.