منذ بداياتها، عرفت كايروكي كيف تلتقط أسئلة جيلها، اقتربت من الشارع والسياسة والاحتجاج والحب والخذلان، وكانت أغنياتها في مراحل مختلفة شاهدة على تحولات محيطها.
أما “سوبرنوفا”، فيبدو أكثر انشغالا بما يحدث بعد أن تمر الأحداث، كأن الكاميرا، بعد أن صورت العالم طويلا، أدارت عدستها نحو صاحبها.
ماذا تفعل بنا السنوات؟ ماذا يبقى فينا بعد الخسارات؟ وهل يمكن للإنسان أن يعود إلى نفسه القديمة، أم أنه يحمل دائما شيئا من كل ما مر به؟
تتهاطل الأسئلة فيما يصدح صوت أمير عيد بالشجن والنوستالجيا والتشاؤل وفيض من المشاعر التي لا تستوعبها الكلمات وتعاضدها الموسيقى التي أبت أن تنصاع لقالب واحد.
وفي مسرح قرطاج، تحت سماء مفتوحة، غادرت أغاني الألبوم الأخير فضاء التسجيل لتدخل فضاء أكثر اتساعا بحضور سيل من الجماهير التي تفاعلت مع جديد “كايروكي” وقديمها بالحماس نفسها.
جمهور الفرقة لا يتعامل مع الأغنية باعتبارها مادة موسيقية يستمع إليها من بعيد، هو ينغمس فيها، يحفظ تفاصيلها، ويرددها، وأحيانا يصل إلى كلماتها قبل أن ينطق بها المغني.
وبين ألبوم يحمل اسم ظاهرة تحدث في أعماق الكون، وفرقة تنزل إلى مسرح عمره قرون، جمهور معاصر يحمل هاتفه في يده، لكنه يحمل في ذاكرته أغنيات صنعت جزءاً من شخصيته.
من الفضاء إلى قرطاج، من النجم إلى الإنسان، رحلة واحدة، وإن اختلفت محطاتها، فالمستعر الأعظم لا يختفي ببساطة بعد انفجاره، يترك وراءه مادة وأثرا.
بين أغاني مدونتها التي نبشت في دواخل المغتربين والمستلبين وكل الذين ابتلعوا أحلامهم كي لا يئدها الواقع، تنقلت المجموعة كمن يتنقل في ذاكرة مثقلة.
“باسرح وأتوه” و”كان لك معايا” و”على باب السيما” (بطلب من الجمهور) و”لوحدي” و”نسينا” و”أنا فاضل” و”تاتا تاتا” وغيرها من الأغنيات التي وجدت طريقها إلى ذاكرة أجيال، وصولا إلى “تلك قضية”، كان الجمهور شريكا في الحفل…
وحينما هتف أمير عيد “تحيا فلسطين”، سرى صدق موقفه في صفوف الجمهور فدوت المدارج هتافا لحرية فلسطين فيما رفرفي الكوفية والراية الفلسطينية.
وكان حضور “كايروكي” في قرطاج قائما على صوت أمير عيد وعلى مجموعة موسيقية تعرف كيف تمنح الأغنية جسدها الحي.
وتوزعت الأدوار بين الغيتارات التي صنعت مساحات الصوت ودفعت بالأغنيات نحو ذرواتها، والباص الذي حافظ على نبضها من الداخل، والدرامز الذي قاد الإيقاع ورفع منسوب التوتر حين تحتاج الأغنية إلى الانفجار، فيما أضافت المفاتيح طبقات أكثر اتساعا وظلالا صوتية تتبدل بحسب الحالة.
وكانت الفرقة تبني تفاصيل دقيقة، انتقالات وتقاطعات وتدرجات تجعل الموسيقى شريكا في الحكاية.
وفي لحظات أخرى، كان العزف يترك للأغنية فسحتها كي تتنفس، قبل أن تعود الآلات مجتمعة إلى دفعها نحو الجمهور.
ليتحول المسرح لمساحة حوار بين أمير عيد وفرقته من جهة، وبين الأغنية والجمهور من جهة أخرى، لا أحد يقف خارج التجربة.
ولأن أغاني “كايروكي” تُفلح دائما في أن تقود المستمع بعيدا عن المكان الذي يجلس فيه، فإن الأسفار في حضرتها لا تحتاج إلى تذكرة، يكفي أن تهتدي بالنجوم داخلك وتتمعن في ألقها وانفجاراتها.
وعلى إيقاع هذه الاستعارة يفتح عنوان الألبوم الأخير “سوبرنوفا” بابا واسعا للتأويل، ففي علم الفلك، المستعر الأعظم هو لحظة عنيفة في حياة نجم، انفجار هائل يبدّل صورته ويترك في الكون مواد وآثارا تستمر بعد انتهاء الحدث.
“كايروكي” التقطت هذه الصورة وتحملها إلى ما أبعد من معناها العلمي المباشر لتتساءل عما يحدث للإنسان عندما يمر بانفجاره الخاص؟ وماذا يبقى منه بعد أن تهدأ العاصفة؟
وكل أغنية تحاكي نافذة تطل على منطقة مختلفة من النفس، محطات للقلق، وأخرى للغربة، وأخرى للزمن الذي يتحرك أسرع مما نريد، وأسئلة عن الشخص الذي نصبحه بعد سنوات من التجارب التي لم نخرج منها كما دخلنا إليها.
في “أنا فاضل”، لا يشرح صاحب الحكاية نفسه بشكل مرتب، إنه يتحدث من منطقة مرتبكة، حيث تختلط التفاصيل اليومية بما هو أثقل منها.
الذاكرة، الوحدة، النسيان، الحنين، الكلمات المتعبة، تتحول جميعها إلى إشارات على شاشة مركبة تراقب صاحبها من الداخل.
وإذا كانت السماء مليئة بالنجوم التي نراها من بعيد ولا نعرف ما يجري في تجاويفها، فإن الإنسان يشبهها بطريقة ما، قد يبدو ثابتا فيما يهتز داخله على وقع معارك لا تصل إليها أعين الآخرين.
وإلى منطقة أكثر مباشرتية تذهب “وحدي”، وتتبدى الوحدة كحالة من الانفصال عن المحيط، شعور بأن المسافة بين الإنسان والعالم يمكن أن تكبر حتى وهو محاط بالناس.
من الوحدة إلى النسيان، تتغير المسافة من المكان إلى الزمان في “نسينا”، وتسائل “كايروكي” الزمن وتحاول أن تلامس أثر السنين فينا.
وفي النسق ذاته، تذهب “تاتا تاتا” إلى منطقة أكثر حميمية، حيث يتداخل الحب مع الخوف من الفقد، ويصبح الزمن اختبارا لما يتبقّى من المشاعر.
وفي منطقة الذاكرة، تسكن أغنيات “كايروكي” لأنها تترك للجمهور مقعدا فيها وتجعله رفيقا في رحلتها من الأرض إلى السماء، ثم من السماء إلى الذات.
فالفضاء ألبوم “سوبرنوفا” ليس خلفية بصرية لعنوان لافت، إنه إحالة إلى كل النجوم التي تولد وتموت، والأجرام التي تتغير، والضوء الذي يصل إلينا من أزمنة بعيدة…
ونحن، كذلك، كثير مما نراه اليوم في أنفسنا نور قديم تفجر من تجارب انتهت منذ سنوات، واستعر على وقع الخيبات
وفكرة “المستعر الأعظم” تليق بألبوم يشرّح التحول من زوايا كثيرة، فالانفجار ليس دائماً خاتمة، قد يكون بداية لتكوين شيء آخر.
وإذا كانت النجوم تترك بعد موتها عناصر تدخل في تكوين أشياء جديدة، فإن الإنسان أيضاً يخرج من خساراته محملا ببقاياها.
علاقة انتهت قد تغير طريقة حبه، خوف قديم قد يصنع شخصيته، سنة قاسية قد تعيد ترتيب أولوياته، وصداقة غابت قد تظل حاضرة في طريقة نظره إلى الآخرين.
“سوبرنوفا” صادق بما يكفي حتى لا يقترح خريطة للخروج من هذه المناطق، إنه يهدينا إشارات لنحفر في دواخلنا على نسق عشر أغنيات، ومسارات متعددة، وسماء واسعة من الأسئلة.