بعض الأيام لا تنتهي عند منتصف الليل، تظل معلقة في الحلق، مثل صرخة لم تجد نهايتها، أو غيمة رفضت أن تغادر السماء.
ويوم الخميس 23 جويلية 2026 كان واحدا من تلك الأيام التي بدت فيها تونس وكأنها تعيش أكثر من زمن في الوقت نفسه، زمن يصعد فيه الفن إلى أعلى درجات الإنسانية، وزمن آخر يهبط فيه الواقع إلى قاع الأسئلة المؤجلة.
وأمام صورتين متناقضتين تماما تجلّت تونس، صورة على ركح قرطاج حيث كانت أنجيليك كيدجو تغني للحب والحرية والإنسانية، وصورة أخرى في شوارع الانطلاقة حيث كان الدخان يتصاعد من الحاويات المحترقة، بينما تتردد أصوات القنابل المسيلة للدموع بدل الموسيقى.
وقبل ذلك كله، كان النهار قد بدأ بثقل أربك تدفق الوقت، حينما تعرضت أضرحة شهداء وزعماء بمقبرة الجلاز، إلى اعتداء تخطى الرخام إلى الذاكرة.
فالقبور ليست فقط مساكن للموتى، وإنما مرايا للأحياء، وحين تُخرب قبور من دفعوا حياتهم ثمنا لأفكارهم، فإن الرسالة تعنينا نحن وتسائل قدرتنا على حماية ذاكرتنا من الصدأ والكراهية.
ثم جاءت دموع ابنتي الشهيد محمد البراهمي لتمنح الحادثة وجها إنسانيا لا تستطيع البيانات الرسمية أن تنقله.
كان النهار ثقيلا حتى يخُيّل إلينا أن الشمس نفسها تمشي بخطوات متعبة فوق البلاد.
ومع حلول الليل، بدا أن قرطاج اختارت أن تقاوم بطريقتها، وصعدت الفنانة أنجيليك كيدجو إلى المسرح، إمرأة تؤمن بأن الفن يستطيع أن يداوي شيئًا من خراب العالم.
ومنذ إطلالتها على الركح، ما انفكت تقول بكل مسامها إن أفريقيا روح لا تنحصر في الجغرافيا وإن الموسيقى وسيلة للدفاع عن الإنسان.
لم تكن تغني، كانت تحمل إفريقيا على كتفيها وتستعيد صوتها بعد قرون من الاستعمار والاجتثاث والمنفى والعبودية والصمت، وتخاطب الإنسان أينما كان.
بصوتها الذي يشبه الأرض حين تهتز فرحا بأول مطر بعد الجفاف قالت “تحيا أفريقيا… تحيا الإنسانية.” ليصبح مسرح قرطاج الأثري
في تلك اللحظة، استعارة عن القارة الافريقية تتجاور فيه اللغات والألوان واللهجات دون أن يسأل أحد الآخر عن دينه أو لونه أو جنسيته.
وحدها الموسيقى كانت تحمل جواز المرور، على إيقاع صوت انجليك كيدجو الذي يكاد يعانق عنان السماء بينما كانت الشاشة خلفها تفيض بألوان النساء الأفريقيات، وبالورود، وبالأقمشة، وبالذاكرة، بالرقصات التي تشبه الصلوات القديمة.
وعلى نسق سينوغرافيا بدت وكأنها تنسج ملامح أخرى للقارة الإفريقية مزاجها من حلم وأمل، أهدت أغنية “Super Woman” إلى أمها، وإلى كل امرأة حملت وطنا فوق ظهرها، وأخفت تعبها كي لا ينكسر أطفالها.
كانت تغني للأمهات اللواتي يعرفن كيف يحولن الخوف إلى خبز، والدموع إلى ابتسامة، والهزيمة إلى سبب جديد للاستمرار.
ثم التفتت إلى الشباب، قالت إن المستقبل ينبغي أن يكون أقل قسوة من الحاضر، وإن أبناء هذا الجيل قادرون على تغيير العالم.
وكان تصفيق الجمهور يشبه الوعد، فيما كان الواقع، خارج أسوار المسرح، يكتب رواية أخرى في حي الانطلاقة وما جاورها.
انتهى الحفل، وغادرتُ قرطاج ومازال صوت أنجيليك يرافقني وكنت أظن أن الليلة ستنتهي بأغنية أخيرة، لكن تونس، كعادتها، كانت تخبئ لي فصلا آخر من رواية بلا خاتمة.
تسلل صوتُ أختي مضطربا ، تخبرني ألا أعود إلى المنزل من الطريق التي أسلكها عادة بسبب حالة من الفوضى أعقبت تخريبا وشغبا.
حينها أبلغت رفيقة الطريق، لم نفكر في مسار العودة إلى منازلنا ورأيت في عينيها القلق الذي يسكنني وأنا أفكر في كل السيناريوهات المحتملة.
لم أجزع لنفسي، جزعتُ لتونس، وتذكرتُ انقطاعات الماء والكهرباء والحرائق التي أكلت الأخضر واليابس والأضرحة التي ماعادت في أمان.
وامتطينا سيارة صديقتي وانطلقنا نبحث عن طريق يعيدنا إلى بيتينا، وسلكنا الطريق ذاته لكن حي الانطلاقة غير خريطته.
كل شارع كان يقود إلى دخان، وكل مفترق كان يقود إلى نار وكل محاولة للعبور كانت تنتهي بحاجز يتخذ أشكالا مختلفة.
رأيت حاويات مشتعلة تقف في منتصف الطريق كأنها منارات سوداء تهدي الحي إلى مزيد من التيه.
رأيت رماد عجلات محترقة وقد افترش الإسفلت، كأن الليل نفسه احترق ثم سقط على الأرض.
قوارير متناثرة، سيارات أمن تصطف بلا نهاية، أطفال يراقبون المشهد بعيون أكبر من أعمارهم، وشباب تتقاذفهم الفوضى كما تتقاذف الأمواج قطع الخشب بعد العاصفة.
أما رائحة الغاز المسيل للدموع، فكانت ذاكرة كاملة تعود إلى الأنف دفعة واحدة، رائحة لا تشبه شيئًا سوى الأحياء حين تعجز عن التفاهم مع أبنائها.
كل شيء تغير وتبدل، إلا دورية المرور لم تبارح مكانها، اقترب منا أحد الأعوان وأخبرنا أن نستمر في السير لأن الطريق المعتادة مقطوعة بسبب الأحداث التي شهدها الحي.
انبرينا في الاتجاه الذي لوح به العون، وتجلت ملامح الفوضى أكثر فأكثر، كنت أراقب الوضع واغالب دمعا خلفه الكمد لما آل إليه الوضع بينما كانت صديقتي تبحث عن منفذ…
بحثنا طويلا … وكلما ظننا أننا اقتربنا من المنزل، ابتعد أكثر أو هكذا خيل إلي.
حتى عدنا إلى مفترق الانطلاقة، طلبت منها أن تواصل طريقها وأتدبر أمري سيرا على الأقدام، فالمسافة ليست شاسعة…
رفضت وتجادلنا قليلا حتى أطل علينا عون من الحرس الوطني وسمح لنا بالمرور.
على وقع لطفه، رفعت رأسي نحو السماء.
لم تكن سوداء، كانت رمادية إلى الحد الذي يجعل الليل يبدو وكأنه فقد ثقته بالنجوم.
في تلك اللحظة، شعرت أن تونس لا يثقلها دخان الحاويات والعجلات المحروقة والغاز المسيل للدموع، بل السنوات التي تراكمت فيها الأسئلة دون أجوبة، كأن البلاد تقف عند مفترق طرق منذ أعوام، لا تعرف أي طريق يقود إلى الغد.
وللمفارقة، لم يفارقني صوت أنجيليك كيدجو، كانت قبل دقائق فقط تغني للوحدة، بينما كانت المدينة تنقسم.
كانت تغني للاختلاف بوصفه ثراءً، بينما كان الاختلاف في الخارج يتحول إلى مواجهة.
كانت تدعو الشباب إلى صناعة المستقبل، بينما كان بعض الشباب يحرقون جزءًا من حاضرهم.
أي مفارقة هذه؟
في صباح اليوم نفسه، طال اعتداء جبان ذاكرة الشهداء.
وفي المساء، تصاعدت ألسنة الدخان في الانطلاقة وحي التضامن وما جاورهما.
وبين المشهدين، وقفت امرأة أفريقية فوق ركح قرطاج لتقول إن الإنسانية ما تزال تستحق فرصة أخرى.
كان الفن يحاول أن يرمم ما تكسره السياسة والموسيقى كانت تخيط ما تمزقه الكراهية، وكأن الأغنية آخر ما تبقى من قدرة الإنسان على الإيمان بنفسه.
ذلك المساء فهمت أن الأوطان لا تئن دفعة واحدة، ولا تنشرح دفعة واحدة أيضا، إنها تتأرجح كل يوم بين أغنية وحريق.
بين دمعة ابنة شهيد، وابتسامة فنانة جاءت من أقصى أفريقيا لتقول إن الحب ما يزال ممكنًا.
بين وردة حمراء تتفتح على شاشة مسرح قرطاج، وإطار مطاطي يحترق في حي شعبي.
بين رقصة تحتفي بالحياة، وركضة تهرب من الغاز.
وبينهما تقف تونس…
بلد يشبه طائرا يحاول أن يحلق بجناح من موسيقى، وجناح مثقل برماد الأيام.
ولعل هذا هو السؤال الذي تركته تلك الليلة مفتوحا فوق سماء البلاد:
أي تونس نريد أن نورثها لأبناء يبكون أمام قبر شهيد، وآخرون يعودون إلى بيوتهم عبر طرقات يملؤها الدخان؟
تونس التي تغني للحياة…
أم تونس التي ما زالت، كلما حاولت أن تعزف لحنا جديدا، قاطعها صوت قنابل الغاز المسيل للدموع؟