يطلّ الممثل مهند بن عمر اليوم كأحد الوجوه التونسية الشابة التي بدأت تشقّ طريقها بثبات داخل صناعة عالمية لا تمنح الاعتراف بسهولة.
وما يلفت في مساره ليس فقط سرعة الانتقال من الحلم إلى الشاشة، بل تلك العلاقة القديمة والعميقة التي نسجها مع التمثيل قبل أن يعرف أنّ ما يفعله يمكن أن يتحوّل يوما إلى مهنة.
في طفولته، قبل أن يعرف الكاميرا أو يفهم معنى الكاستينغ، كان يعود إلى البيت ويقلّد من حوله من أفراد العائلة، والجيران، والأصوات، والانفعالات، والمواقف اليومية الصغيرة.
كان يكتب مشاهد مرتجلة ويؤدّيها بعفوية طفل يلهو، من غير أن يدرك أنّ ذلك اللعب كان تدريبا مبكرا على الإصغاء للناس، وعلى التقاط تفاصيلهم، وعلى القدرة النادرة في أن يسكن شخصا آخر.
لكن التمثيل لم يكن شغفه الأول، لسنوات، كانت كرة القدم تحتلّ مركز يومياته إذ لعب ضمن أكاديميات رياضية حتى سن الثالثة عشرة، وكان يرى في الملعب فضاء طبيعيا لطاقة المراهقة الأولى.
غير أنّ شيئا آخر بدأ ينمو بالتوازي وهو علاقة يومية بالأفلام، كان يعود من المدرسة، يغرق في مشاهدته على حساب واجباته.
لم تكن مشاهدة عابرة أو استهلاكا للتسلية، بل نوعا من الانشداد الخفي إلى عالمٍ يزداد قربا منه كلّ يوم.
اللحظة الأولى التي كشفت له شيئا من نفسه جاءت في المدرسة، حين طلب المدرس من التلاميذ إلقاء قصيدة، لم يقرأها كما فعل زملاؤه، بل أدّاها. لم يكن يلقي الكلمات فقط، بل يمنحها جسدا ونبرة وإيقاعا. حينها انتبه المحيطون به إلى أنّ في هذا الطفل حضورا مختلفا.
لكن في المسرح كان الاكتشاف الحقيقي، حين صعد الخشبة للمرة الأولى، وشعر بعيون الناس مشدودة إليه، وحين سمع من حوله يقولون إنّ لديه موهبة، بدأ الإيمان يتحوّل من حدس داخلي إلى قناعة واضحة. في تلك اللحظة تحديدا، لم يعد التمثيل مجرّد ميل، بل صار أفقا منفتحا على كل الاحتمالات.
لم يكن الطريق بعد ذلك سهلا، كان يعرف أنّ صناعة السينما والدراما، خصوصًا في الخارج، لا تفتح أبوابها بسهولة أمام المهاجرين، وكان واعيا أيضًا بأنّ انتماءه العربي والتونسي يضعه داخل أقلية نادرا ما تحظى بالتمثيل الواسع في هوليوود. لكنّ هذا الإدراك لم يتحوّل إلى عائق نفسي، بل إلى دافع إضافي.
كان يحمل فكرة واحدة لا تغادره وهي الوصول، وفي الخامسة عشرة من عمره، شارك في عرض مسرحي محلّي. ومن بين الجمهور، انتبهت امرأة إلى حضوره فوق الخشبة فأخبرت عنهصديقة لها تعمل في وكالة تمثيل، وأرسلت لها تسجيلات من أدائه. هكذا، من صدفة صغيرة تبدو عابرة، بدأت المهنة تكتسب ملامحها الواقعية.
أول ظهور له أمام الكاميرا كان من خلال مشاركته في السيرة الذاتية لماريا كاري، حيث أدّى دور أخيها في مرحلة الطفولة ضمن مشاهد الـفلاش باك “flashback”. يومان فقط من التصوير، لكنهما كانا كافيين ليشعر أنّه دخل أخيرًا إلى العالم الذي ظلّ يتخيّله طويلًا.
بعدها جاءت الفرصة التي ستغيّر ملامح مساره: Andor، من عالم Star Wars، سلسلة طويلة من اختبارات الأداء، ومنافسة بين آلاف المترشحين، قبل أن يقع عليه الاختيار للموسم الأول. ثم عاد في Andor – Season 2 بدور أكبر، أكثر حضورا وتعقيدا.
في تلك التجربة، لم يكن الرهان فقط على الظهور داخل عمل عالمي، بل على اختبار الذات في قلب صناعة ضخمة.
سبعة أشهر من التصوير، والاحتكاك بممثلين من الصف الأول، والعمل ضمن منظومة إنتاج عالية المستوى، كلّها عناصر صنعت لحظة فاصلة في وعيه المهني، هناك، كما يصف، شعر للمرة الأولى أنّه في مكانه الطبيعي.
ورغم هذا المسار الصاعد، لم يكن خاليا من الحيرة، ففي مرحلة لاحقة، التحق بالجامعة ودرس الاقتصاد والتمويل والعقارات، كأنّه يمنح نفسه احتمالًا آخر. لكن العودة إلى التمثيل جاءت حاسمة، كأنّ الفن استعاد مساره الأصلي بعد محاولة قصيرة للابتعاد.
اليوم، تتّسع خريطة حضوره من مشروع إلى آخر من بينها Massery Extraction Series على Netflix، وBelieve Me على ITV، إضافة إلى الفيلم الرومانسي Sunflower Child الذي ينتظر أن يرى النور قريبا.
هذه الأعمال تؤكّد أنّ حضوره لم يعد مجرّد ظهور عابر، بل مسار يتشكّل بثبات داخل مشهد دولي آخذ في الاتساع، لكنّ الحدث الذي يبدو أكثر خصوصية بالنسبة إليه ليس مشروعًا عالميًا جديدًا، بل عودته المرتقبة إلى تونس لتصوير أوّل فيلم له في بلاده.
العمل يحمل عنوان “تكلم”، ويخرجه نجيب خثيري، وهو مشروع يُنتظر تصويره في تونس خلال شهر أكتوبر، بمشاركة المنتجة التونسية عفاف بن محمود.
في هذه العودة، يكتسب النجاح معنى آخر، فأن ينجح الممثل في الخارج مهمّ، لكن أن يعود ليعمل داخل اللغة الأولى، والوجوه الأولى، والمكان الذي بدأت منه الحكاية، فذلك يمنح التجربة طعمًا مختلفًا.
وربما هنا تحديدًا تتكثّف فرادة تجربة مهند بن عمر الذي لم يصل صدفة وإنما بالمراكمة والإيمان بأن الموهبة وحدها لا تكفي، فهو الذي اختار أن يبني طريقه بالصبر والعمل والإصرار على إيقاع اختبارات أداء لا تنتهي، وأبواب لا تُفتح، وأحيانًا أحكام مسبقة تسبق الاسم والوجه.
في حديثه عن التمثيل، يقول ما يشبه تعريفه الشخصي للمهنة هو لا يكتفي بأن يؤدّي الدور، بل يحاول أن يضع نفسه كلّها داخله، وهو تعريف يختزل جوهر تجربته.
فمهند لن عمر ليس ممثلا شابا يسعى فقط إلى أن يظهر على الشاشة، بل يحاول أن يترك في كلّ شخصية أثرًا من ذاته، أثرًا يشبه ذلك الطفل الذي كان يقلّد العالم من حوله، دون يعرف أنّ العالم نفسه سيفتح له أبوابه يومًا.