“وادي الليل مدينة للخط العربي”، مشروع فني ارتسمت ملامحه في دار الثقافة وادي الليل، وهو لا يتعلق بنشاط ثقافي فحسب بل ينطوي على رغبة في أن يصبح الحرف جزءًا من النسيج اليومي، وأن تتحول المدينة نفسها إلى نصّ بصري مفتوح.
هذا المشروع، المدرج ضمن برنامج “شوارع المدن المبدعة” الذي تشرف عليه الإدارة العامة للعمل الثقافي، لا يشتغل على الفن بوصفه ترفًا، بل كفعل تأسيسي، كأداة لإعادة تشكيل الفضاء العام، ومن خلاله إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان ومحيطه.
وقد اتخذ حفل الافتتاح طابعًا تشاركيًا واضحًا، تجلّى في تنوع الحضور الذي جمع ممثلين عن الإدارة العامة للتراث، وإدارة الفنون التشكيلية، واتحاد الفنانين التشكيليين، إلى جانب مديري المؤسسات الثقافية وممثلي الهياكل المحلية والتربوية والإعلامية.
هذا التعدد لم يكن مجرد تنسيق شكلي، بل انعكاس لإدراك بأن مشروعًا من هذا القبيل لا يمكن إنجازه إلا بتظافر جهود متعددة، حيث تتقاطع الثقافة مع التربية، والفن مع الفضاء العام، والمؤسسة مع المبادرة الفردية.
منذ اللحظات الأولى، اختار المنظمون أن يضعوا الجمهور، وخاصة الأطفال والشباب، في قلب التجربة. فافتُتحت الفعاليات بسلسلة من الورشات الفنية التي لم تكن مجرد تمارين تقنية، بل فضاءات لاكتشاف الحرف ككائن حي، قابل للتشكيل والتأويل.
في ورشة الخط العربي بإشراف الخطاط صلاح الحسيني، بدا الحرف وكأنه يستعيد روحه الأولى، كأثر يدوي، كنبض يتشكل على الورق.
أما ورشة الخط على البلور، التي أشرفت عليها الخطاطة نادية الطويلي، فقد نقلت الحرف إلى مادة شفافة، ليصبح الضوء نفسه جزءًا من التشكيل.
واحتضن الفضاء معرضًا للوحات الخط العربي من إعداد المركز الوطني لفنون الخط بتونس، حيث تجاوز الحرف مجرد وسيلة للكتابة، ليتحول إلى بنية جمالية قائمة بذاتها، تتقاطع فيها الزخرفة مع الإيقاع، واللغة مع التشكيل. لوحات بدت كأنها تحاور الزمن، تستحضر تراثًا عريقًا، وفي الآن نفسه تفتح أفقًا معاصرًا يحرر الخط من قوالبه الكلاسيكية دون أن يفقد روحه.
أما الكلمات الافتتاحية، فقد اختارت أن تخرج عن النمط التقليدي. فقدّم الأستاذ محمد بلار مداخلته بأسلوب فني، منح اللحظة طابعًا احتفاليًا، قبل أن يتولى مدير دار الثقافة وادي الليل صفوان خصخوصي تقديم قراءة في أهداف المشروع وشركائه، كاشفًا عن شبكة من الرهانات التي تتجاوز الحدث إلى مسار طويل من العمل الثقافي.
وفي كلمتها، شددت المندوب الجهوي للشؤون الثقافية بمنوبة نجوى الغربي على أهمية تثمين فن الخط العربي، لا باعتباره مجرد تراث، بل كمكوّن حي من مكونات الهوية الثقافية العربية الإسلامية والتونسية، قادر على التجدد والانخراط في أسئلة الحاضر.
ولأن الفن لا يكتمل إلا بتعدد تعبيراته، اختُتمت الأمسية بعرض موسيقي بعنوان “فن وإبداع” للفنان نوفل المحواشي، الذي قدّم باقة من الأغاني التونسية، في لحظة بدت وكأنها تعيد ربط الحرف بالصوت، والكتابة بالإيقاع، في انسجام يختصر جوهر المشروع الذي يرتكز على كون الفن فضاء جامعا، تتقاطع فيه الأشكال وتتداخل الحواس.
وسيتواصل مشروع “وادي الليل مدينة للخط العربي” إلى غاية شهر جوان 2026 ليراهن على الاستمرارية عبر سلسلة من الدورات التكوينية والورشات التطبيقية والمختبرات الفنية، إلى جانب عروض الـmapping وإنجاز الجداريات.
ويغادر الخط العربي جدران المعارض ليصعد إلى جدران المدينة، ليصبح جزءًا من المشهد الحضري، ومن ذاكرة المكان.
إنه مشروع يسعى، في العمق، إلى إعادة المصالحة بين المدينة وسكانها عبر الفن. فحين تتحول الجدران إلى لوحات، والشوارع إلى معارض مفتوحة، يصبح العابر مشاركًا، ويصبح الفضاء العام مجالًا للإبداع لا للاستهلاك فقط. وفي هذا التحول، يكمن الرهان الحقيقي في أن يصبح الفن ممارسة يومية، وأن يتحول الحرف إلى لغة مشتركة، تقرأ بها المدينة نفسها.
ولا تكتفي دار الثقافة وادي الليل بدور “الوسيط الثقافي”، بل تتقدم كفاعل يصنع الأثر، كما يشير الشعار المرفق بالمشروع، أثر لا يُقاس بعدد الأنشطة، بل بقدرته على تغيير النظرة إلى الفن، وعلى زرع حساسية جمالية جديدة لدى جيل يبحث عن صوته، وعن طريقته الخاصة في كتابة العالم.