بقلم سهير اللحياني
افتُتحت يوم 10 جوان بفضاء سينيمدار بقرطاج فعاليات الدورة الثانية عشرة من أيام المسرح 77، وهي أول دورة تحمل بعداً دولياً، لتتواصل العروض والأنشطة إلى غاية 20 جوان.
يقول المخرج المسرحي العالمي بيتر بروك إن «المسرح هو المرآة المكبّرة للحياة» « Le théâtre est le miroir grossissant de la vie. »
وتبدو هذه العبارة أكثر دلالة عند التأمل في المسار الذي شقّه المخرج التونسي معز القديري على امتداد 10 سنوات من العمل المتواصل، بعيداً عن الأضواء الرسمية. اثنتا عشرة دورة متتالية، ورؤية ثابتة لم تتغير: فالمسرح ليس مجرد منتج ثقافي يُستهلك، بل هو أداة لبناء الإنسان وتطوير وعيه، وقيمة ينبغي نقلها من جيل إلى آخر.
على درب التجدد والإبداع
وقد اختارت إدارة المهرجان أن يكون افتتاح الدورة الحالية مختلفاً ومحمّلاً بالرمزية. إذ تولّى تلاميذ مدرسة 77 للمسرح تنشيط حفل الافتتاح بأنفسهم. شباب في مرحلة التكوين وجدوا أنفسهم على الركح أمام جمهور يضم محترفين ونقاداً وضيوفاً من تونس ومن عدة بلدان عربية. خطوة تُعد الأولى من نوعها، وتعكس قناعة معز القديري بأن منح المتعلّمين فرصة الظهور على الخشبة منذ الآن هو اعتراف فعلي بأحقيتهم في الانتماء إلى المشهد المسرحي.
وفي السياق ذاته، أسندت الإدارة الفنية للدورة إلى الشابة عفراء قدّان، في خيار يتجاوز البعد الرمزي نحو تمكين حقيقي للشباب. فالمشاركة في إدارة مهرجان من الداخل تمنح تجربة عملية لا تُقدّر بثمن، وتسهم في تحويل الهواية إلى مسار مهني واعد.
هذا التوجه ينسجم مع التجربة الشخصية لمعز القديري نفسه. فقد تدرّب على أيدي أسماء بارزة في المسرح التونسي، من بينها توفيق الجبالي وزينب فرحات، اللذان يُعدّان من رواد المسرح المستقل في تونس. وفي هذا المناخ القائم على التعلّم والتوريث الفني، تشكّلت رؤيته للمسرح. وبعد أن أصبح مخرجاً معروفاً وحصدت أعماله جوائز عربية، من بينها مسرحية «ديمو» التي تُوّجت في الأردن سنة 2022، اختار أن يردّ الجميل بالطريقة نفسها: التأطير والتوجيه واكتشاف المواهب الجديدة، إيماناً منه بأن استمرارية الفن لا تتحقق إلا عبر نقل الخبرة بين الأجيال.
ومن هنا تكمن خصوصية مشروع أيام المسرح 77. فهو لا يعمل بمنطق المهرجان الموسمي العابر، بل أقرب إلى مؤسسة ثقافية غير رسمية. فـ«مدرسة 77» التي تستقطب نحو 350 مشاركاً سنوياً، إلى جانب «إنتاج 77»، تشكّل منظومة ثقافية متكاملة تعتمد على إمكاناتها الذاتية في غياب دعم عمومي قار. ويقوم نموذجها على مبدأ واضح: التكوين أولاً، ثم الإنتاج. وهو ما أتاح خلق استمرارية حقيقية وذاكرة جماعية، إضافة إلى تكوين رصيد متجدد من الطاقات المسرحية الشابة.
وشهدت الدورة الحالية أيضاً إطلاق مشروع LAB 77، وهو برنامج احتضان يمتد على مدى اثني عشر شهراً ويجمع كتّاباً ومخرجين شباناً في مسار متكامل يبدأ من الكتابة المسرحية ولا ينتهي عند حدود الإنتاج، بل يشمل أيضاً ريادة الأعمال الثقافية وآليات التمويل والتوزيع. ويعتمد البرنامج على العمل الثنائي بين الكاتب والمخرج، وصولاً إلى إنتاج أعمال جديدة ستُعرض خلال الدورة الثالثة عشرة للمهرجان. وفي كل سنة، يولد نص جديد، ومخرج جديد، وعرض جديد، في دورة متواصلة من التجدد والإبداع.
استثمار في الشباب
كما تستضيف هذه الدورة عدداً من الشخصيات العربية البارزة في مجالي المسرح والسمعي البصري. فقد قدّم المسرحي الفلسطيني غنام غنام عرضه «بأم عيني – 1948»، وأشرف على ورشة متخصصة حول هوية المسرح العربي. كما قدّمت الأكاديمية المصرية منى الصبّان، إحدى أبرز المتخصصات في المونتاج السينمائي العربي، محاضرة تناولت واقع الصناعة السمعية البصرية وتحدياتها. وشهدت التظاهرة كذلك تكريم عدد من الأسماء التي تركت بصمتها في الثقافة التونسية والعربية، من بينها الفنانة منى نور الدين، والمخرج توفيق الجبالي، والنقاد محمد المؤمن وفوزية المزي ولطفي العربي السنوسي.



لكن اللحظة الأكثر تأثيراً في افتتاح الدورة الثانية عشرة لأيام المسرح 77 كانت دون شك لحظة التكريم. فقد تحوّل المسرح إلى فضاء للوفاء والاعتراف، حيث امتزج التصفيق بالمشاعر الصادقة، ولم يتمكن عدد من المكرّمين من إخفاء دموع الفرح والتأثر أمام هذا الاحتفاء الذي أعاد إليهم مسيرة طويلة من العطاء والإبداع.
وكانت الفنانة القديرة منى نور الدين من أكثر الشخصيات تأثراً بهذه اللحظة الرمزية. فالمصادفة شاءت أن يتزامن هذا التكريم مع سنة تخرجها سنة 1977، لتجد نفسها بعد ما يقارب نصف قرن تُكرَّم اليوم من قبل “مدرسة 77” التي أسسها المسرحي معز القديري. مفارقة جميلة اختزلت معنى الاستمرارية بين الأجيال، وجعلت من الرقم “77” جسراً يربط بين بدايات المسيرة وثمارها.
أما الفنانون المكرَّمون، فقد أجمعوا في كلماتهم على أن المسرح لم يكن بالنسبة إليهم مجرد مهنة، بل أسلوب حياة وشغفاً لا ينطفئ مؤكدين حرصهم على مواصلة الوقوف على الركح وخدمة الفن المسرحي، وفاءً لجمهورهم وللرسالة الثقافية التي آمنوا بها منذ عقود.
ولم يكن وقع هذه اللحظات مؤثراً على المكرَّمين فحسب، بل امتد إلى الجمهور وإلى عشرات الشبان والشابات من طلبة المسرح الذين تابعوا المشهد بإعجاب وامتنان. فقد بدت لحظة التكريم درساً حياً في قيمة الاعتراف بالرواد وفي أهمية حفظ الذاكرة الثقافية. وهي رسالة موجّهة إلى الأجيال الجديدة حتى تستلهم من هذه المسارات الفنية معنى الالتزام والإبداع، وتواصل بناء مستقبل يقدّر المسرح ويحلم به ويمنحه المكانة التي يستحقها باعتباره فضاءً للجمال والفكر والحرية.
وتتواصل فعاليات الدورة إلى غاية 20 جوان، من خلال برنامج يضم 23 عملاً مسرحياً، من بينها مشروع التخرج للدفعة الثانية من مدرسة 77 بعنوان «O» . وبينما تبقى الخشبة مفتوحة للعروض واللقاءات، يبدو أن معز القديري قد بدأ بالفعل التفكير في الدورة الثالثة عشرة، مواصلاً مشروعاً ثقافياً أثبت خلال عقد كامل أن الاستثمار في الإنسان هو الرهان الأكثر استدامة في المسرح.