لا يبدأ فيلم “شكوى رقم 713317” لياسر شفيعي من حدث استثنائي، بل من عطل منزلي عابر، ثلاجة توقفت عن العمل، وشكوى تحمل رقما يبدو عاديا.
غير أن هذا التفصيل الصغير يتحول تدريجيا إلى رحلة داخل عزلة الإنسان، وإلى مواجهة طويلة مع البيروقراطية، حيث يصبح الانتظار أسلوب حياة، ويتحول الدفاع عن حق بسيط إلى معركة وجودية.
في هذا الحوار مع رياليتي أون لاين، على هامش عرض الفيلم في مهرجان عمان السينمائي الدولي، يتحدث المخرج المصري عن اختياره لرقم الشكوى عنوانا للفيلم، وعن بناء عالم كامل داخل شقة واحدة، وعن رهانه على الإيقاع والصمت والتصميم الصوتي والكوميديا السوداء، كما يكشف كواليس العمل مع محمود حميدة وشيرين، ورؤيته للسينما بوصفها فنا قادرا على استخراج الدراما والعبثية من أكثر التفاصيل اليومية اعتيادية.
لماذا اخترت أن يكون رقم الشكوى عنوانا للفيلم؟ وما الذي يرمز إليه هذا الرقم بالنسبة لك؟
رقم الشكوى يشكل انعكاسا بين اليمين والشمال وكأن مرآة في منتصفه، وهو يعكس التكرار على غرار رتابة الفيلم نفسها وتكرار الأحداث المشابهة لبعض، وهو جزء من فكرة الدائرة المفرغة.
انطلقت من عطل في ثلاجة، لكنه يتحول تدريجيا إلى أزمة وجودية. كيف وُلدت فكرة تحويل تفصيل يومي إلى محور لفيلم كامل؟
الفيلم مستوحى من حدث حقيقي حصل معي إذ تعطلت ثلاجتي الشخصية ودخلت نفس المتاهة التي دخلها الفنان محمود حميدة في أدائه لشخصية الفيلم.
من هنا أتت الفكرة وتم تطريزها مع الشخصيات وبناؤها وسط أسرة مصرية من طبقة متوسطة تعيش من جراية التقاعد وتطمح إلى أن تفتك حقوقها بشكل بسيط ورمزي وهو ما يسعى إليه محمود حميدة طيلة الفيلم
اعتمدت على فضاء واحد تقريبا هو شقة الزوجين. هل كان هذا الخيار جماليا منذ البداية أم فرضته طبيعة الحكاية؟
لا توجد مشاهد خارجية تقريبا، نحن ننظر إلى الشارع من الشرفة، نحن نرى الحال في البيوت المصرية، الايجار رمزي جدا لكن يمكن تأخذ مساحة ضخمة على غرار البيوت القديمة في المعادي ومصر الجديدة ..
حينما كنت أبحث عن مكان تصوير كنت أريد هذا النوع من البيوت ذات السقف العالي المساحة الواسعة. وقد استغرقنا وقتا طويلا لنجدها، بحثنا طيلة أربعة أشهر تنقلنا فبها بين ما يزيد عن المائة بيت.
هذه الشقة لم يتم التصوير فيها من قبل، وهي جديدة على عين المشاهد ثم انطلقنا في العمل على الديكور والتوجه الفني.
لماذا اخترت زوجين متقاعدين تحديدا لتسيير هذه الحكاية؟
اختيار مهم أن بكون الأبطال كبار في السن لعدة عوامل من بينها أنهم مروا بأحداث كثيرة في حياتهم خلفت كبتا وقهرا يجعلهم لا يتنازلون ويتشبثون بحقهم.
وهذا العمر، يشكل مساحة جيدة لتحرك الشخصية ويعطي مشروعية ومنطقية لتصوير الفيلم في مكان واحد. كما أنني لم أرد أن أفصل الجمهور عن الحالة الشعورية في الفيلم.
الفيلم يعتمد كثيرا على الصمت والإيقاع البطيء. هل كنت تخشى أن ينفر جزء من الجمهور من هذا الخيار؟
لا أرى أن الإيقاع بطيء، هو مناسب للحدث الموجود، وللشخصيات الكبيرة في السن ةفكرة الانتظار.
مرحلة المونتاج استغرقت تقريبا سنة وكنا نقوم بتجارب كثيرة في هذه السنة لاختبار الايقاع والإحساس بالزمن.. كان هناك خيط رفيع بين أن تمل الشخصيات من انتظار تصليح الثلاجة وأن يمل المشاهد نفسه
على من تمت التجربة ؟
كان هناك عدة مشاهدات في مراحل مختلفة، ودائما توجد عين ثالثة تتفرج وتنقل لنا إحساسها ونحن نأخذ مسافة من الفيلم ثم نعود لنراه بعين مختلفة.
كيف اخترت الممثلين وكيف عملت على بناء هذا التوتر الهادئ بين الشخصيتين دون اللجوء إلى المواجهات المباشرة؟
عادة وأنا أكتب أرى الشخصيات الأنسب، واخترت منذ البدء محمود حميدة وشيرين وبقية الشخصيات، وبقية الشخصيات التحقت إثر تجارب أداء.
أما الحدث نفسه فبسيط وبناؤه يحاكي كرة الثلج يتراكم شيئا فشيئا ليكبر فينفجر .
الأصوات المنزلية تكاد تحل محل الموسيقى في أجزاء واسعة من الفيلم. كيف تعاملت مع التصميم الصوتي بوصفه عنصرا دراميا؟
صوت المترو أيضا، نحن يجب أن نحس بطبيعة المكان المغلق، المترو أحيانا يمر ويظهر عبر للشباك ، شريط المترو انضاف لم يكن مكتوبا في السيناريو، المنزل محاذ للمترو وهذا يخدم الفيلم وساعدنا في بيئة المكان.
بقية العناصر الأخرى المطر في النهاية والريح تجعلنا نحس بكل فصول السنة في اتساق مع اللبس أو الصورة أو شكل الإضاءة.
تبدو الشقة مع مرور الأحداث وكأنها شخصية ثالثة في الفيلم. كيف اشتغلت على علاقتها بالشخصيات وبتوليفة المواضيع ؟
هذه العلاقة متأتية من بنى الشخصيات نفسها، فكل ممثل يعرف الشخصية وخلفياتها وتاريخها وتفاصيلها وعمقها.
وأما التوليفة المتشعبة من المواضيع فهي نتاج فترة الكتابة الطويلة التر استغرقت سنة تقريبا وإلى غاية التصوير كنت أشتغل عليها.
كل مرة نضع طبقة ونطور لخلق هذا التوازن وتصبح الأشياء أكثر وضوحا.
ما مرد الكوميديا السوداء؟ هل تأتي لتخفيف ثقل العزلة؟
الموضوع كان يستحق أن يكون عبثيا. والكوميديا السوداء لها علاقة بشخصيتي وأضمنها في أفلامي القصيرة… هذا صوتي في الفيلم.
كيف تلقيت قراءات الجمهور والنقاد؟ وهل فاجأتك بعض التأويلات؟
سعيد برد فعل الجمهور عموما، بعضهم يرونه عن الثلاجة وبعضهم يراه علاقة رجل بإمرأته متأثرة بموضوع الثلاجة أو تتغير مع تغير الموقف..
في كل الأحوال كل شخص يأول الفيلم كما يريد… هناد طبقات مختلفة للقراءة.
ماذا عن الديكور والتصوير والموسيقى؟
اول تجربة لمدير التصوير كريم فؤاد حكيم ومهندسة الديكور نورا فوزي بترشيح من مهندس الديكور أنسي أبو سيف الذي كان أول من حرك المشروع، وهو أول من قرأ السيناريو.
وفي الموسيقى اشتغلت مع المؤلف خالد الكمار قرابة السنة، وتم اختيار عناصر الشريط الصوتي بدقة تجعل منه امتدادا لعالم الشخصيات. وقد تخيلتُ هذه الأصوات منذ مرحلة الكتابة. وخالد كان مرنا جدا والعمل معه ممتع
ماذا عن التعامل مع الممثلين؟
بعد أربع أشهر من اختبارات الأداء، اخترنا الأطفال ودعمنا الفريق بمدرب تمثيل، كما اجرينا “بروفات” جماعية لقراءة السيناريو أكثر من مرة.
كما أجرينا بروفات حركة في المكان نفسه، حتى تشكلت كل عناصر الفيلم من
الملابس والديكور ولوحة الالوان. والتحضير الجيد يساعد في أن يخرج العمل بصورة جيدة.
هل تشتغل على عمل جديد؟
نعم أعمل على فيلم روائي طويل، في مرحلة التطوير.
انطلقت من الأفلام القصيرة وصولا إلى فيلمك الروائي الطويل الأول والثاني قادم.. هل يمكن أن تعود إلى الأفلام القصيرة؟
عندي مجموعة أفلام قصيرة أرغب في الاشتغال عليها.. ونعم هناك مخرجون يبدأون بالقصير ليثبتوا أنفسهم ومنها يدخلون الأفلام الطويلة أو المسلسلات والبعض يرون أن الأفلام القصيرة لا تقل أهمية.