في افتتاح مهرجان قرطاج الدولي، تخطّى عرض “تحت الياسمين” للفنان صابر الرباعي فكرة الاحتفاء بمسيرة فنان أو بتاريخ مهرجان في دورته الستين ليشكّل محاولة لطرح سؤال الزمن داخل الأغنية التونسية.
كيف تعيش الأغنية بعد أصحابها؟ وكيف تنتقل من جيل إلى آخر دون أن تفقد ذاكرتها؟ شكلت هذه الأسئلة بعضا من ثنايا العرض الذي أعلن الرباعي فلسفته في الكلمة التي ألقاها أمام الجمهور.
لم يتحدث صابر الرباعي عن نفسه بقدر ما تحدث عن الذين سبقوه والذين سيأتون بعده، واضعا ستينية مهرجان قرطاج في سياقها، ستة عقود لم يصنعها اسم واحد، بل صنعتها أصوات كثيرة، بعضها لا يزال يغني، وبعضها صار جزءا من ذاكرة المكان.
وفي هذا السياق، لم يكن اختيار الضيوف مجرد تنويع في الأصوات، بل كتابة رمزية لمسار الأغنية التونسية، وكل فنان صعد إلى الركح كان يمثل محطة في هذا المسار، وكأن العرض ينسج خريطة زمنية تبدأ بالمؤسسين، وتعبر عبر الأصوات التي صنعت وجدان أجيال كاملة، ثم تفتح الطريق أمام من يحملون الأغنية اليوم.
حتى ذكرى محمد، التي حضرت عبر الصورة والصوت، تجاوزت التفاتة وفاء لتؤكد أن الفن لا يعترف بالغياب فابتسامتها التي ملأت الشاشة، فيما كانت “الأسامي” و”كل اللي لاموني” و”يوم ليك” تتردد في المسرح الأثري بأصوات أحمد الرباعي وملكة الشارني.
كلمات الأغاني جعلت الغياب نفسه يتحول إلى حضور، فبعض الفنانين يغادرون الحياة، لكنهم يواصلون الإقامة في ذاكرة الناس، حيث تصبح الأغنية شكلا آخر من أشكال البقاء.
ثم جاء لطفي بوشناق، أحد وجوه الذاكرة الحية لمهرجان قرطاج، ليشكل لقاؤه بصابر لقاء زمنين مختلفين جمعتهما الأغنية التونسية. لم يكن “الديو” بينهما منافسة بين صوتين، بل حوارا بين تجربتين، لكل منهما لغته وشخصيته.
غير أن أكثر لحظات العرض كثافة لم تكن في الغناء، بل في الصمت الذي سبق انتقال المشعل إلى جيل آخر من الفنانين حين تراجع صابر الرباعي ولطفي بوشناق إلى الخلف، تاركين المساحة لبثينة النابولي ومحمد علي شبيل، بدا المشهد وكأنه يختزل فكرة كاملة عن تعاقب الأجيال.
لم يحتفظ الجيل الذي صنع المجد بالمركز، ولم ينتزع الجيل الجديد مكانه بالقوة، بل أفسح الركح المجال لهذا العبور الهادئ، حيث تنتقل الأغنية من يد إلى أخرى دون أن تنقطع.
ولم يقتصر هذا التعاقب على الأشخاص، بل شمل الموسيقى ذاتها، فالأغاني الجديدة جاورت الأعمال التي صنعت شهرة الرباعي، والأغنية التونسية تحاورت مع الشرقية، قبل أن ينفتح العرض على الراي الجزائري بحضور الشاب خالد.
لم يكن ذلك خروجا عن هوية السهرة، بل تأكيدا أن الهوية الحقيقية لا تخشى الحوار، وأن الأغنية التي تعرف جذورها تستطيع أن تنفتح على محيطها دون أن تفقد ملامحها.
ومثلت ستينية مهرجان قرطاج مراجعة لمعنى الاستمرار، فالمهرجان الذي شهد عددا من الأصوات، وأجيالا متعاقبة من الفنانين، بدا في تلك الليلة وكأنه يروي حكايته عبر الركح نفسه. كل من صعد إليه أضاف صفحة، وكل من غادره ترك أثرا، لكن الحكاية بقيت مستمرة، وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية لعرض “تحت الياسمين” الذي قال إن الفن لا يعيش إلا إذا عرف كيف يحفظ ذاكرته وهو يتقدم إلى الأمام.
ولعل أجمل ما حدث في تلك السهرة أن المشعل لم يكن في يد أحد بعينه. كان ينتقل بين الأصوات، وبين الأغاني، وبين الأجيال، فيما ظل مسرح قرطاج، كعادته منذ ستين عاما، الشاهد الذي يستقبل الجميع ويمنحهم جميعا المكان نفسه “تحت الياسمين”.
وما سيبقى من “تحت الياسمين” ليس عدد الأغاني التي قُدمت، ولا حتى الأسماء التي اجتمعت على الركح، وإنما تلك الصور التي نجحت في تحويل فكرة تعاقب الأجيال إلى مشاهد مرئية.
ولم يكن ترتيب الأغاني في “تحت الياسمين” اعتباطيا، بل بدا وكأنه يكتب سردية موسيقية متدرجة إذ انطلق صابر الرباعي بأعماله التي صنعت حضوره الجماهيري، قبل أن يتوقف عند ذكرى محمد، ويستقبل فيما بعد ضيوفه تباعا لتتحول الأغاني إلى جسر بين الذاكرة والحاضر.
وأما حضور الفنانين الشباب في “تحت الياسمين” فكان احتفاءً بأصوات تونسية تثبت أن الأغنية المحلية تزخر بخامات واعدة. فقد أضفت ملكة الشارني بخامتها الدافئة وحساسيتها الأدائية بعدا وجدانيا على الأعمال التي أدتها، بينما قدّم أحمد الرباعي صوتا يجمع بين القوة والمرونة، متمسكًا بشخصيته الفنية وهو يحاور صابر الرباعي دون أن يذوب في حضوره.
أما بثينة النابولي ومحمد علي شبيل، فقد أكدا أن جيلا جديدا يواصل الاشتغال على الأغنية التونسية بإحساس متفرد، محافظًا على أصالتها ومنفتحًا في الآن نفسه على أساليب أداء جديدة.
وفي لقاء هذه الأصوات مع صابر الرباعي ولطفي بوشناق، اكتسبت الأغاني أبعادًا جديدة، إذ منحتها الخامات الصوتية المختلفة حياة أخرى، وأثبتت أن الأغنية التونسية لا تعيش فقط بذاكرتها، وإنما أيضًا بالأصوات الشابة التي تعيد اكتشافها وتمنحها قدرة متجددة على العبور من جيل إلى آخر.