في شارع الحبيب بورقيبة، كان المطر يتهيّأ لانتزاع المشهد من إيقاعه، فيما كانت الموسيقى تحاول أن تُبقي الجمهور داخل عالمها، ضمن أيام قرطاج الموسيقية.
لامست القطرات الرؤوس والأكتاف، فيما ظلّت النبضات الإلكترونية تتقاطع مع الإيقاعات الإفريقية، وتنسج في الفضاء المفتوح جملة موسيقية تتجاوز حدود الاستماع إلى الحركة والرقص والتفاعل.
لم يغادر الجمهور مع بداية التهاطل، ظلّ متشبّثا باللحظة، كأنّ الإيقاع الذي يستقرّ في الجسد قادر على تأجيل الانتباه إلى البلل، وعلى مقاومة ما يفرضه الطقس من انقطاع. وبين موسيقى تتوالى وسماء تزداد انهمارا، أخذ المشهد يتشكّل على إيقاعين، واحد يصنعه نوري من خلف آلته، وآخر تفرضه الطبيعة على الشارع ومن فيه.
على إيقاع هذا التداخل، ، قدّم الموسيقي التونسي نوري عرضه “Vibes”، مقترحا تجربة تنطلق من الإيقاع كلغة مشتركة بين الثقافات، ومن الموسيقى كمجال للتفاعل يتجاوز حدود الاستماع.
في هذه التجربة تتأسس الرؤية على تداخل المرجعيات الصوتية وعلى تحويل الإيقاع إلى عنصر يستدعي الجسد، ويمنح الجمهور فرصة الانخراط في طقس احتفالي جماعي.
وتبدو هذه الفكرة أساسية لفهم المشروع، فالموسيقى هنا ليست بناء صوتيا معزولا، هي علاقة بين النبض والحركة، وبين الفنان والفضاء الذي يحتضن أداءه.
ينتمي “Vibes” إلى تيار الأفرو-مستقبلي، الذي يستكشف إمكانات اللقاء بين الجذور الموسيقية الإفريقية والإنتاجات الإلكترونية المعاصرة. وفي هذا السياق، تتجاور الآلات الإيقاعية العضوية مع المشاهد الصوتية الإلكترونية، وتلتقي الأهازيج التقليدية بالنبضات الحديثة، في محاولة لإعادة التفكير في موروث للتحوّل والتجريب.
ويحمل الإيقاع، ضمن هذا التصوّر، دورا يتجاوز تنظيم الزمن الموسيقي. فهو الصلة بين الصوت والجسد، والعنصر الذي يمنح الموسيقى قدرتها على استدعاء الحركة وإنتاج الشعور بالمشاركة. وحين تلتقي الإيقاعات الإفريقية بالوسائط الإلكترونية، تمتزج الأصوات الحديثة والمرجعيات التقليدية لتبني علاقة يحتفظ فيها الإيقاع بصلته بجذوره وهو ينتقل إلى فضاء صوتي جديد.
من شمال إفريقيا إلى إيقاعات الغابة الإفريقية، وصولا إلى تأثيرات موسيقية آسيوية، يفتح نوري مشروعه على جغرافيا صوتية متعددة المرجعيات. وتمنح هذه الرحلة الموسيقى أفقا يتجاوز حدود الهوية المحلية، دون أن يعني ذلك التخلّي عن الجذور التي تنطلق منها.
وتدخل التقاليد الموسيقية في حوار، فيما تتيح الإنتاجات الإلكترونية إعادة ترتيب المواد الصوتية وتقديمها ضمن تصوّر معاصر.
غير أنّ تعدّد المرجعيات لا يكتسب قيمته من اتساع خريطتها وحده، إذ يظلّ التحدّي الفني في قدرة هذه العناصر على التفاعل داخل بناء موسيقي متماسك، حيث تحيل الإيقاعات والأهازيج إلى ثقافات مختلفة، وتشكل مكوّنات تسهم في صياغة شخصية صوتية خاصة.
ومن هذه الزاوية، يمثل الأفرو-مستقبلي في “Vibes” محاولة للتوفيق بين الذاكرة والتجريب، وبين الإيقاع المتوارث وإمكانات الصوت الإلكتروني، ضمن رؤية تتطلّع إلى مستقبل أكثر ترابطا.
وتتجاوز هذه الرؤية حدود المادة الموسيقية لتصل إلى طبيعة الحفل نفسه، فالتصوّر الطقوسي الذي يستند إليه المشروع يمنح الإيقاع وظيفة جماعية، ويجعل الرقص والحركة والتفاعل امتدادا للتجربة الصوتية.
ولا يقف الجمهور، وفق هذه الفكرة، على مسافة محايدة من العرض، ويصبح حضوره جزءا من الطاقة التي تتولّد في الفضاء. وتلتقي الموسيقى الإلكترونية، بما تتيحه من تشكيلات صوتية معاصرة، مع وظيفة أقدم للإيقاع، ارتبطت بالاجتماع والحركة والمشاركة.
على الركح، يرافق هذا المشروع حضور بصري شديد الخصوصية، ينحني نوري فوق آلته، مرتديا سترة داكنة فيما ينسدل على وجهه ستار كثيف من الخيوط الرفيعة، تتخلّلها عقد وخرزات حمراء وخضراء وبيضاء، ليبدو الوجه كأنّه قناع يمتدّ نحو الصدر. تختفي الملامح خلف هذه الطبقات، ولا يبقى واضحا سوى اليد الممدودة نحو المفاتيح، وهي تتفاعل مع الآلة، فيما ينتصب حامل الميكروفون إلى يسار المشهد في الظل.
تمنح هذه الهيئة نوري شخصية بصرية تقوم على حجب الملامح فالقناع لا يلغي الحضور، وينقل الانتباه إلى الجسد وعلاقته بالآلة، وإلى اليد بوصفها نقطة التقاء بين الحركة والصوت. وبين قتامة الملابس والألوان المتناثرة في الخيوط، تتشكّل صورة تترك مجالا للتأويل، وتنسجم مع مشروع موسيقي يتغذّى من التقاء عناصر متباينة.
وفي شارع الحبيب بورقيبة، تكتسب العلاقة بين الموسيقى والجمهور أهمية إضافية، فالعرض يغادر القاعة المغلقة إلى فضاء يومي مفتوح، حيث تتجاور حركة المدينة مع الإيقاعات، ويتحوّل المارة إلى جمهور محتمل، فيما تصبح استجابة الحاضرين جزءا من المشهد.
ويمنح المكان “Vibes” فرصة لتجسيد طابعه الاحتفالي، فالموسيقى تنفتح على فضاء مشترك يمكن أن تتداخل فيه الحركة والاستماع والرقص.
لكنّ هذا الانفتاح يضع العرض أيضا أمام ما لا يمكن إخضاعه لتخطيطه الموسيقي. فقد بدأ المطر يتهاطل، وظلّ الجمهور في مكانه، يتابع العرض رغم القطرات التي راحت تشتدّ تدريجيا.
وفي تلك اللحظة، دخل عنصر جديد إلى المشهد، لا ينتمي إلى المرجعيات التي يستند إليها نوري، ولا إلى الأصوات التي يشكّل بها تجربته، لكنه أخذ يغيّر إيقاع اللقاء بين الفنان والجمهور.
كان وقع المطر يتجاور مع النبضات الموسيقية في الفضاء نفسه، كصوت عارضا فرض حضوره على التجربة. وبين الإيقاع الذي ينظّمه الفنان والتهاطل الذي لا يمكن التحكّم فيه.
وفي الأثناء، نشأت مفارقة بين موسيقى تقوم على إعادة تشكيل الأصوات وبناء العلاقات بينها، وطقس يعيد تشكيل شروط العرض من الخارج. وظلّ الجمهور متمسّكا باللحظة، كأنّه يحاول مواصلة الرحلة الصوتية رغم تغيّر الظروف المحيطة بها.
ومع تزايد المطر، أخذت المسافة بين الرغبة في متابعة العرض وإمكان استمراره تضيق، إلى أن اضطرّ المنظمون إلى إيقافه.
توقّفت الموسيقى قبل أن تستكمل رحلتها، لكنّ المشهد الذي سبق النهاية ظلّ مفتوحا على تقاطع الإيقاعات والأجساد والطقس. فقد أضاف المطر إلى “Vibes” طبقة لم يخطّط لها نوري، طبقة لا يمكن إدراجها ضمن البناء الموسيقي، لكنها أصبحت جزءا من ذاكرة العرض.