لم يحتج “وان باند وان صاوند” إلى كثير من الوقت حتى يعلن عن فكرته الأساسية وهي أن الراب، حين يغادر حدود الصوت الفردي ويدخل في حوار فعلي مع فرقة موسيقية حيّة، يمكن أن يكتشف لنفسه مساحات أخرى للتعبير.
في هذا العرض، الذي احتضنته أيام قرطاج الموسيقية، لا تشكّل آلات النفخ النحاسية إطارا موسيقيا لصوت فايبا، ولا يبدو الراب ضيفاً عليها، ويلتقي العالمان داخل بناء واحد، تتقاطع فيه الكتابة والأداء والإيقاع والحضور الجسدي.
تلك هي الفكرة التي يقودها فايبا، واسمه الحقيقي قيس كيكلي، في مشروع يمتد على تسعين دقيقة، ويحاول أن يجيب عن سؤال حول ما يحدث حين ينتقل مغني الراب من “أنا” التي اعتاد أن يكتب ويؤدي منها، إلى “نحن” التي تفرضها الموسيقى الجماعية؟
الإجابة تتشكل تدريجيا فوق الركح، حيث يصبح صوت فايبا جزءا من كتلة صوتية أكبر، تقودها المجموعة النحاسية التي يشرف عليها الموسيقي جهاد الخميري.
وفيما يحتفظ الراب بمرونته وبقدرته على الانفلات، وعلى مطاردة الجملة والإيقاع والتعبير المباشر، تتجلى دقة التوزيع الموسيقي، وبصمة الآلات النحاسية، وانتظام الإيقاع، واتساع الكورال.
سبع آلات نفخ، غيتار باص، درامز وأربعة أصوات كورال (صوتين نسويين وصوتين رجاليين)، إلى جانب مرور لافت للمزود مع منتصر الجبالي، عناصر أفضت إلى جسم موسيقي واحد، يتحرك بأكثر من صوت وأكثر من إيقاع.
ولا تقوم هذه الكثافة على الرغبة في إغراق الراب بالآلات، وإنما على خلق حوار بين منطقين موسيقيين مختلفين.
هناك انفلات الراب، بما يحمله من طاقة وتوتر وحركة، وفي المقابل هناك صرامة المجموعة
النحاسية التي تمنح الموسيقى بنية أوسع. وبينهما يتشكل بعد ثالث في موسيقى لا يمكن اختزالها في نمط واحد.
وقد كان حضور جهاد الخميري (كلافيي) أساسيا في هذا التحول. فالفرقة التي يقودها ليست مرافقة لفايبا، هي مشاركة في بناء الجملة الموسيقية وفي صناعة تصاعداتها وانكساراتها.
وعلى نسق هذا التحوّل صارت الموسيقى الحية شريكا في الأداء، فيما فرض حضور الآلات النحاسية طاقة جماعية تتلاءم مع طبيعة الراب، ذلك الفن الذي ظل منذ نشأته مرتبطا بالشارع وبالجماعة وبالحاجة إلى التعبير.
لكن “وان باند وان صاوند” لا يبدأ من الصفر. فالمشروع يبدو، في جانب منه، امتدادا لمسار فني بدأ منذ أكثر من خمسة عشر عاما، حين ظهر فايبا مع “إقلب منظرك”، قبل أن تتسع تجربته بين الراب والعمل الجماعي والتقاطعات مع المزود والموسيقى الحية.
في أعماله المختلفة، لم يستسلم فايبا لقالب موسيقي واحد، وظل يبحث عن مناطق تماس بين الراب وأصوات أخرى.
وفي هذا السياق، يعتبر حضور المزود في “وان باند وان صاوند” طبيعية داخل هذا المسار في استحضار لتجربة اركز هيبهوب عبر أغنية “العريبة” التي جمعت فايبا والماسي ومنتصر الجبالي على المزود .
وبينما تصاعد صوت المزود وجاورته اصوات الآلات النفخية وبقية الآلات تكوّنت أصوات مختلفة لا تبحث عن التطابق، وإنما عن إمكانية أن تصنع معا صوتا جديدا.
ومن بين التفاصيل التي تحسب للعرض تخصيص أغنية للاحتفال بالمتمردين والثوار الذين اختزلهم فايبا في “الفلاقة” وكان لقاؤه مع ضيف العرض نضال اليحياوي امتدادا لنضالاتهم من أجل الحرية.
تفاصيل مختلفة في العرض تستدعي الذاكرة وتعيد تشكيل الماضي، من ذلك حضور “تيغا بلاكنا”، إذ يواصل العرض الاشتغال على فكرة الاستعادة، لكن من داخل الحاضر.
وإلى للوراء تحركت عقارب الوقت وعادت إلى سنة 2012 وأغنية “imagine” التي تقاسمها فايبا والماسي وجمهور مازال يتخيّل حتى لا يقتله الواقع.
وإذا كانت الذاكرة إحدى طبقات العرض، فإن الواقع هو طبقته الأكثر التصاقا بفايبا. كلماته لا تتجه إلى عالم بعيد، بل تنطلق من اليومي وتلتصق بما يعيشه الناس، بما فيه من تقلبات وقلق وغضب وأسئلة.
وكانت الأصوات في العرض تحاكي هذه التحولات نفسها، لا نغمة واحدة تستقر طويلا، ولا انفعال واحد يهيمن على التجربة، صخب، وهدوء، وغضب، لكن أيضا رغبة في تجاوز كل ذلك.
وفي هذا السياق تكتسب عبارة فايبا “حتى كان كوشمار توة يتعدى”(وإن كان كابوسا سيمر)دلالة تجعلها أقرب إلى موقف فني من الواقع، الاعتراف بثقله، من دون منحه الكلمة الأخيرة.
ومن وسط الإيقاعات الصاخبة والأصوات المتداخلة، يتسلل شيء يشبه الأمل، ترسمه الموسيقى نفسها.
على الركح، يكتمل هذا المعنى بالحضور الجسدي للمؤدين، فالموسيقى في وان باند وان صاوند مسموعة ومرئية.
طاقة فايبا، وحركة الموسيقيين، وتدفق الآلات، وحضور الكورال، كلها تجعل الجسد جزءا من الإيقاع. وتأتي السينوغرافيا والإضاءة ذات الطابع المسرحي بلمسة سندة الجبالي لتدعم هذا الجانب من دون أن تنافس الموسيقى عليه. أما أزياء صالح بركة، السوداء بتفاصيلها الذهبية، فتمنح المجموعة صورة موحدة، وتضيف إلى العرض بصمة بصرية متفردة، تقوم على الاقتصاد في الشكل مقابل كثافة ما يحدث داخله.
ويُحاكي “وان باند وان صاوند” تمرينا على فكرة الجماعة نفسها. كل آلة تضيف صوتا، وكل صوت يغير موقع الصوت الآخر، وكل اختلاف يجد مكانه داخل التكوين العام.
حتى الجمهور، الذي تفاعل مع العرض ورافق طاقته، أصبح في لحظة ما جزءاً من هذه المعادلة؛ فالموسيقى التي بدأت من “أنا” فايبا تنتهي إلى فضاء أوسع، لا يكتمل إلا بالحضور الجماعي.
وتتضح المسافة التي قطعها فايبا منذ “إقلب منظرك” إلى “وان باند وان صاوند” وتتجلى
في اختلاف الإنتاج أو اتساع التوزيع، وفي نظرة الفنان إلى صوته نفسه.
الشاب الذي بدأ قبل أكثر من عقد ما يزال حاضرا في الكتابة المتجذرة في الواقع وفي التدفق الإيقاعي وفي الرغبة في قول ما يراه، لكن فايبا اليوم يبدو أقل اكتفاءً بالصوت الفردي وأكثر بحثاً عن المساحات التي يمكن أن يتقاطع فيها صوته مع أصوات أخرى.
ونجح “وان باند وان صاوند” في تحويل عنوانه إلى فكرة فعلية على الركح، فرقة واحدة، وصوت واحد يستمد فرادته من تحويل تعدد الأصوات واختلافاتها إلى طاقة مشتركة. الراب لم يتخل عن انفلاته، والآلات النحاسية لم تتنازل عن صرامتها، والمزود لم يفقد ذاكرته، والكورال لم يتحول إلى خلفية، كل عنصر احتفظ بخصوصيته، لكنه وجد موقعه داخل تجربة واحدة.
وقد أفلح العرض في فتح مساحة جديدة للراب تصبح فيه الموسيقى لقاء فعليا بين الذاكرة والواقع، بين الفرد والجماعة، وبين الراب وما يمكن أن يصبح عليه حين يجد حوله فرقة كاملة تصغي إليه وتجادله وتدفعه إلى مكان آخر.
ومن بين كل تلك الأصوات، يبقى ما قاله فايبا في لحظة خاطفة عن الكابوس الذي سيمر، وترك العرض احتمالا بأن الفوضى يمكن أن تصبح إيقاعا، والذاكرة صوتا حي، والقلق طاقة، وبأن يجد الأمل طريقه من وسط النغمات.