قبل أن يرفع أحمد ليتيّم نايه إلى شفتيه، تكلّم. وقف على ركح قاعة الأوبرا، في افتتاح أيام قرطاج الموسيقية، وحكى عن أبيه الذي عاش فترة مع الزهايمر ورحل منذ سنة ونصف، تاركا فراغا لا تملؤه الكلمات.
ماذا يبقى من الإنسان حين تبدأ الذاكرة في الانطفاء؟ ربما أغنية، أو لحن قديم، أو صوت آلة يعرفه القلب حتى حين يعجز العقل عن التعرف إلى الأشياء.
عن هذه الأشياء تحدث أحمد ليتيّم، وعن رجل أحبّ الموسيقى، وكان يجد في ألحان محمد عبد الوهاب شيئا خاصا. كان أول رفاقه إلى دروس الموسيقى، وأول الحاضرين في عروضه بالأيام سنتي 2015 و2021.
كان أحمد يستعيد أباه من بين طبقات النسيان، ويستجير بالموسيقى ليضع الملامح التي ضاعت واحدة بجانب الأخرى.
فالزهايمر لا يأخذ الإنسان دفعة واحدة، تتعثر الأسماء، وتتغير الوجوه التي نعرفها، وتضيق مساحة الذاكرة، فيما يظل الجسد حاضرا.
وفي هذه المسافة بين ما يتذكره المريض وما يفقده، أهدانا أحمد معنى آخر للموسيقى. حين صارت الكلمات عاجزة عن الوصول إلى ذاكرة سكنها النسيان، بقيت الموسيقى لغة بينه وبين من حوله.
بالموسيقى كان يتواصل، وبها كان يتذكر، بقي اللحن مألوفا، وبقي الإحساس حاضرا، “الموسيقى تبرّي (تشفي)”، قال أحمد ليتيم وهو يختزل مسارا من مقاومة النسيان
فالموسيقى يمكن أن تخلق لحظة ألفة، تردّ إلى المريض شيئا من ذاته، وتمنح العائلة فرصة للوصول إليه حين يصبح الوصول بالكلمات أصعب.
ثم أمسك الناي، وبثّ فيه ذكرياته، وإلى جانبه كان أحمد بن عطية على الغيتار، وبين الصوت والوتر وقف الناي يملأ المسافة التي تركها الكلام.
كان الجمهور متأثرا، والصمت يحيط بالناي كأنه يحميه، وخرج الصوت رقيقا شجيا، كأنه يغني أمام غائب واحد، وكان الفقد حاضرا في كل نغمة، حنينا إلى رجل ما زالت الموسيقى قادرة على استحضاره.
ثم، في “الليل يا ليلى”، بدأت الحناجر تغني معه واحدا بعد آخر. لم يعد أحمد وحده في استعادة أبيه، صار الجمهور شريكاً في الاستعادة، وصار الغناء الجماعي ذاكرة مشتركة تحضر في قاعة كاملة.
وفي كلمته نفسها وجّه رسالة إلى كل عائلة يسكن الزهايمر بيتها مفادها ألا تتركوا الموسيقى خارج غرفة المريض، فقد تعرفها الذاكرة حتى حين تنسى كل شيء آخر.
وبعض الذين نحبهم لا يغادرون تماما، يبقون في أغنية، في لحن، في صوت ناي. وحين انتهى اللحن، بقي صوت الناي معلقا لحظة في القاعة، كأن أحدا لم يغادر بعد.