“تبقى فلسطين دائما حرة، من النهر إلى البحر” قالت الفنانة المغربية “أوم” وهي تقف على ركح قاعة الأوبرا في مدينة الثقافة، فاستقبلتها القاعة بالتصفيق قبل أن تبدأ الغناء.
مشهد قصير، ضمن الدورة الحادية عشرة من أيام قرطاج الموسيقية، لكنه يهيئ لمشهدية كاملة، علم فلسطين يرفرف على الشاشة، أضواء تتدرج في ألوانه، وحنظلة المجسد في طفل أدار ظهره للعالم يواجه مشاهد الدمار التي تتوالى من كل صوب.
وبين الصورة والصوت، كانت “Flstyn” أغنية عن فلسطين وحكاية تستعيد ذاكرة مازالت مفتوحة على وجعها.
كان صوت أوم يصدح في قاعة الأوبرا وويعاضدها صوت عائدة بن سليمان ويحاوطها العود (ياسر رامي) والترومبيت (كامي باسيري) والإيقاع (عمار الشاوي) في توزيع يترك للكلمة مساحتها، ويمنح الصمت أيضا دوره في بناء المعنى.
وحين بدأت تنطق حروف “فلسطين” واحدة تلو الأخرى، “فا، لام، سين، طا، يا، نون”، بدا كانت تستعيد اسما تحاول الذاكرة حمايته من التطبيع مع ما يواجهه من مجازر.
و تنفتح الكلمات على قرون من المآسي والحروب، وعلى ذاكرة شعوب ما تزال تحمل أثر ما حدث. وحين تتكرر عبارة “لا سِلم، لا سلام”، ترفض الأغنية أن تمنح الجرح نهاية موسيقية سهلة.
الأغنية التي ظهرت في نسختها الأصلية بالتعاون مع كاميليا جبران ليست صاخبة في التعبير عن الألم، قوتها تأتي من اقتصادها، من تلك المسافة التي تتركها أوم بين الجملة وأخرى، ومن الإيقاع الذي لا يزاحم الكلمات.
على الشاشة، كان الطفل بظهره المواجه للجمهور، يأبى أن يرسم للمأساة وجها قابلا للاستهلاك، فيما كانت صور الخراب تتكاثر من حوله. وهنا التقت الموسيقى بالصورة في منطقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
وفلسطين التي حضرت العرض ليست بعيدة عن فكرة مشروع “ديالدار” الذي تحضر به في أيام قرطاج الموسيقية فقد كانت “Flstyn”، في عمقها، امتدادا لفكرة أساسية تحكم المشروع وهي الذاكرة والجذور.
والدار في هذا السياق ليست مكانا مغلقا. إنها ذاكرة تتحرك مع صاحبها، وتكبر كلما ابتعد عنها. ولذلك فإن استحضار فلسطين داخل هذا المشروع يكشف اتساع مفهوم “الدار” عند أوم. فالدار يمكن أن تكون المكان الذي ولدت فيه، ويمكن أن تكون أيضا المكان الذي تسكنه في الذاكرة، أو القضية التي تجد لها موقعا في وجدانك حتى وإن لم تكن جزءا من جغرافيتك اليومية.
ويمكن قراءة “ديالدار” باعتباره مشروعا عن الانتماء، والانتماء عند أوم ليس تعريفا ثابتا أو هوية مغلقة. إنه حركة مستمرة بين ما ورثته وما اكتشفته، بين المغربي والصحراوي والعربي والعالمي، وبين الموسيقى التي جاءت من الذاكرة وتلك التي تعلمت كيف تعبر الحدود.
فالعودة إلى الجذور في تجربة أوم لا تعني العودة إلى صيغة موسيقية قديمة وإعادة تقديمها كما هي. إنها نظرة إلى الموروث من موقع الحاضر.
وفي “ديالدار” تنصهر الموسيقى الصحراوية مع الجاز والسول، وتلتقي الإيقاعات المغربية مع حساسية موسيقية مفتوحة على تجارب العالم.
كل هذه العناصر تتنفس داخل المساحة نفسها وتشكل لغتها الخاصة، وحتى الآلات التي حضرت معها على الركح كانت تعكس هذا المنطق.
العود، بما يحمله من ذاكرة مقامية ومغاربية وشرقية، لم يكن وحده في المشهد، إلى جانبه الترومبيت، بما تحمله من تاريخ مختلف تماما في الموسيقى العالمية، ثم الإيقاعات التي تمنح الجسد مكانه في هذه الرحلة.
وكان صوت أوم المساحة التي تلتقي فيها هذه العناصر التي تخلق حوارا بين ذاكرات صوتية مختلفة
صوت يحمل في نبرته شيئا من الصحراء، لكنه لا يستقر فيها؛ يتنقل بين العربية والحسانية، وبين التعبير الحميمي والتأمل الجماعي.
وهي تغني من موقع امرأة معاصرة تعيد مساءلة ما ورثته، وتبحث عن مكانها داخله وخارجه في الوقت نفسه.
فالذاكرة التي تستعيدها الفنانة ليست ذاكرة موسيقية فقط، هناك ذاكرة عائلية ونسائية، حكايات وأصوات وتجارب، وهي تحاول أن تمنحها مساحة داخل الأغنية.