في “The Leila”، يشكل المزج الموسيقي محاولة لبناء مساحة تلتقي فيها مرجعيات موسيقية متعدّدة، من الذاكرة المغربية إلى الفضاء الأوسع لموسيقى العالم
وتتجلّى الهوية كمادة حيّة تتفاعل مع الحاضر، وتتجدّد من خلال الالتحام بتجارب أخرى، إذ يستند المشروع إلى جذور محلية واضحة، من دون أن يجعل منها حدًّا يمنع الانفتاح أو يقيّد حرية التعبير.
وتكمن أهمية هذا الاختيار في أنّ الموسيقى التقليدية، حين تنتقل إلى سياق معاصر، تواجه تحدّيًا مزدوجًا بين الحفاظ على خصوصيتها دون أن تتحوّل إلى استعادة حرفية للماضي، وبين الانفتاح على أنماط جديدة من دون أن تفقد ملامحها الأولى.
وفي تجربة “The Leila”، لا تنفصل الهوية عن بقية مكوّنات العرض، وتدخل في حوار معها، ويتحوّل إلى جزء من نسيج موسيقي أوسع، ويصبح المزج وسيلة للبحث عن لغة قادرة على التعبير عن هوية متحرّكة، تتّسع للاختلاف من دون أن تتخلّى عن جذورها.
وتكتسب هذه الديناميكية أهميتها من طبيعة المشروع القائم على التنوّع، فالمزج بين الأنماط الموسيقية يظهر في التوزيع، وفي قدرة العرض على تحويل هذا التنوّع إلى تجربة حيّة.
والحركة، في هذا المعنى، تساهم في نقل الموسيقى من مستوى البناء الصوتي إلى مستوى التواصل المباشر مع الجمهور. فالفنانة تؤدي الأغنيات وتدخل في علاقة متواصلة مع ما تنتجه الفرقة من إيقاعات وتحولات، وتستجيب لها بطاقة تجعل الركح فضاءً للتفاعل.
غير أنّ العرض جرى في ظروف استثنائية، مع غياب عازف الدرامز بسبب حادث، وهو غياب يكتسب أهمية خاصة في تجربة تراهن على الإيقاع وتعدّد الألوان الموسيقية. فالدرامز ليس مجرّد آلة تضبط السرعة أو تحافظ على انتظام النبض، بل يمكن أن يكون عنصرًا فاعلًا في بناء التوتّر الموسيقي، وتحديد الانتقالات بين المقاطع، ومنح الأداء زخمه، خصوصًا في العروض التي تقوم على التداخل بين أنماط مختلفة.
و أي تغيير في عناصر الفرقة قد يفرض تعديلات على التوازن العام، وعلى المساحات المتاحة لكل آلة، وعلى طبيعة التفاعل بين الموسيقيين.
وفي المقابل، تكشف العروض الحيّة أحيانًا عن قدرة الفنانين على التكيّف مع الظروف الطارئة، وإعادة ترتيب علاقتهم بالموسيقى في اللحظة نفسها.
وقد واصلت ليلى وفرقتها تقديم مشروعهما رغم هذا الظرف، فيما ظلّ حضور المغنية وطاقتها على الركح عنصرين أساسيين في الحفاظ على حيوية الأداء.
ويطرح “The Leila” سؤال الهوية الموسيقية في زمن لم تعد فيه الحدود بين الأنماط حاسمة كما كانت، ولم يعد الانتماء إلى تقليد محلي يعني بالضرورة الانغلاق داخله. فالمشروع المغربي يبحث عن مكانه بين الذاكرة والانفتاح، وبين خصوصية الصوت وإمكانات التوزيع المعاصر، ويعوّل على قدرة ليلى على التنقّل بين الحالات الغنائية المختلفة لصياغة تجربة لا تستقر في خانة واحدة.
وبين صوت يتقلّب في طبقاته التعبيرية، وجسد يواكب الإيقاع بحيوية، وفرقة واجهت غياب أحد عناصرها، قدّمت “The Leila” ملامح مشروع يراهن على الموسيقى بوصفها لغة قابلة للتجدّد، وعلى الأداء الحيّ بوصفه اختبارًا حقيقيًا لقدرة الفكرة الفنية على التكيّف والتواصل.