في إقامة “كا” لا تستدعي إنصاف بن عجمي الواحة بوصفها جغرافيا فحسب، بل ككائن رمزي مثخن بالذاكرة، تتقاطع فيه طبقات المرئي واللامرئي، ويتحوّل فيه الماء من عنصر طبيعي إلى وسيط أنطولوجي، حاملٍ لأثرٍ روحي يتجاوز حضوره الفيزيائي.
إنصاف بن عجمي لا تكتب عن قابس أو نفطة، بل تنصت إلى ما يتبقّى منهما حين ينحسر الماء وتبهت الطقوس، كأنها تلاحق “ظلّ البركة” بعد انسحابها من العالم.
في قلب هذا الاشتغال الذي يسكن فن الفيديو ، تأتي حكاية سيدي بو علي، كأصلٍ ميتافيزيقي لقراءة الحاضر بعيدا عن السردية التراثية المغلقة.
هذا الولي الذي كان يعيش على إيقاع الماء، متطهرا به ومقيما في حضرته، يتحول إلى صورة مكثفة للعلاقة العضوية بين الإنسان والعنصر، بين الجسد والينبوع.
وحين يُدسّ له السم، لا يموت وحده إنما يتوقف النهر، كأن الطبيعة نفسها تدخل في حداد، وهنا، تكشف الأسطورة عن بنيتها العميقة حيث البركة شبكة علاقات غير مرئية تربط الكائن بمحيطه، فإذا انقطعت، انقطع العالم عن ذاته.
هذا التصور يجد صداه في الراهن القابسي، حيث لا يبدو الجفاف مجرد أزمة بيئية، بل انقطاعًا في نظام رمزي كامل. فالماء الذي كان محور الطقوس، من التبرك إلى الغناء، لم يعد يؤدي وظيفته كـ”مركز للعالم” بالمعنى الذي يقترحه ميرتشا إلياد؛ لم يعد عتبة بين الأرضي والسماوي، بل صار أثرا ملوثا، فاقدا لقدسيته.
وهنا تحديدا، يتسلل المشروع إلى منطقة شديدة الحساسية تتشكل على أعتاب سؤال ماذا يحدث حين يفقد المقدس مادته؟
في هذا السياق، تشتغل إنصاف بن عجمي على تفكيك النصوص الدينية، لا تنازع قدسيتها، بل تدمجها داخل تجربة حسية معاصرة.
استدعاء قصة النبي أيوب، في بعدها المرتبط بالضرّ، يبدو هنا اختيارا دقيقا. “وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضرّ وأنت أرحم الراحمين” لا تُقرأ فقط كدعاء للخلاص، بل كاعتراف بجسدٍ أصابه الخلل، بجغرافيا داخلية أصابها الجفاف. هذا “الضرّ” يُعاد ترجمته بصريا ووجدانيا ليحاكي ما أصاب عيون الماء في الواحات من نضوب، وتلوث، وانقطاع في التدفق.
لكن ما يميّز هذا الاشتغال هو أنه لا يقع في فخّ الإسقاط المباشر، بل ينسج توازيًا دقيقًا بين الجسد والماء. فإذا كان الجسد في التجارب الصوفية وسيطا للعبور، فإن الماء هنا يحلّ محله، لكن دون أن يفقد طبيعته الكيانية إذ يظل مسكونا، حاملا لذاكرة الغياب.
أنثروبولوجيا، يتقاطع هذا العمل مع أطروحات جوسلين دخلية حول “نسيان المدينة”، حيث يترجم تراجع حضور الأولياء الصالحين كتحول في أنماط الذاكرة الجماعية.
البركة، في هذا السياق، ليست مجرد اعتقاد، بل نظام دلالي ينظم العلاقة بين الإنسان وبيئته.
حين تتآكل هذه المنظومة، لا يختفي المقدس، بل يتحول إلى أثر، إلى ما يشبه “الطيف الثقافي” الذي يظل حاضرا رغم غيابه.
وهنا تحديدا، يبرز دور الزوي كمؤسسات وسيطة بين الفرد والجماعة، بين الطبيعي والميتافيزيقي.
المشروع لا يعيد إنتاج صورة رومانسية عن هذه الفضاءات بل يطرحها كفضاء إشكالي، كيف يمكن للزوايا أن تحافظ على وظيفتها الروحية في سياق تتفكك فيه الروابط البيئية؟ وهل يمكن للطقس أن يستمر حين تفقد مادته؟ أم أنه يتحول إلى شكل فارغ، إلى أداء بلا أثر؟
في هذا التوتر بين الاستمرار والانقطاع، يتشكّل أحد أهم رهانات العمل، فالممارسات الطقوسية التي كانت تُعيد إنتاج العلاقة بالمقدس، من الغناء الجماعي إلى طقوس الماء، تبدو اليوم مهددة بالاندثار، ليس فقط بفعل الحداثة، بل نتيجة اختلال بيئي عميق.
وفي هذا المستوى، يحيل التلوث إلى علامة على تصدع أعمق في علاقة الإنسان بمحيطه، فالماء الملوث لا يهدد الجسد فقط، بل يزعزع إمكانات الطقس، يقطع الصلة بين المرئي واللامرئي.
ومع ذلك، لا يسقط المشروع في خطاب رثائي، بل على العكس، هو محاولة “لإيقاظ الأسطورة”، كما تقول صاحبته، وهذا الإيقاظ لا يعني استعادة الماضي، بل إعادة تفعيله داخل الحاضر، عبر خلق فضاء بيني، يتداخل فيه الصوت بالصمت، والحكاية بالإيماءة، والذاكرة بالجسد.
استلهامها من شعراء مثل إيتيل عدنان ويوسف ثابتي يضيف بعدا آخر لهذا الاشتغال، حيث لا يُفصل بين اختفاء العناصر الطبيعية وتراجع الحس الروحي. الطبيعة هنا ليست خلفية، بل نصّ موازٍ، بنهل من القصيدة وتُفكك طبقاته كما تُفكك الآيات.
وهنا تكمن جرأة المشروع، في التعامل مع النص الديني كحقل تأويلي مفتوح، يسمح بإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والعالم.