إن قضية المناخ وتغيراته ليست موضوعًا بيئيًا معزولًا، بل هي قضية تتقاطع فيها مجالات الاقتصاد والمجتمع وأنماط العيش والتخطيط للمستقبل، وتشترك فيها جميع دول العالم وسكان الأرض على حد سواء.
ومن خلال متابعة لصيقة لهذا الملف وإعداد مقالات وكتابات واستضافات إذاعية تناولت التغيرات المناخية، لاحظت وفرة كبيرة في الدراسات والبحوث والتقارير على المستويين الوطني والدولي.
فعلى سبيل المثال، تجاوز عدد تقارير التقييم الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) آلاف الصفحات التي أعدها آلاف العلماء من مختلف أنحاء العالم، إلى جانب عشرات الآلاف من الدراسات العلمية التي تُنشر سنويًا حول المناخ.
غير أن ما استوقفني أيضًا هو أن معظم هذه البحوث، على جديتها وقيمتها العلمية، لها مسارات متقاربة، وتنتهي في كثير من الأحيان إلى النتائج ذاتها، فيخيل لنا أننا ندور داخل دائرة معرفية مغلقة. وشد انتباهي أثناء البحث ما يُطرح عن المناخ بصوت واضح ومألوف في سعي متواصل إلى فهم تغييراته والبحث عن حلول عملية ووضع برامج تنفيذية لكن شدني أكثر من ذلك ما يُطرح بصوت لا يصل الى مراكز النقاش والحوار.
إذ إن الخطاب المناخي السائد أفرز، مع مرور الوقت، نوعا من التماثل في المقاربات إذ تُناقش القضية تقريبًا من الزوايا نفسها، لتعيد نفس الرسائل. ورغم أهمية هذا الجهد فإن النتائج على أرض الواقع بقيت محدودة مقارنة بالانتظارات، مما يدفعنا إلى قناعة مفادها ان الحلول العملية لإنقاذ البشرية من مضار هذه التغيرات المناخية تدفع إلى تجاوز النماذج المتداولة والانفتاح على مسارات أكثر تحررًا فكريًا وعمليًا وأكثر قدرة على استكشاف أبعاد أخرى لهذه القضية المعقدة. والغاية واحدة: استمرار بقاء الإنسان على سطح الأرض.
فما هي المقاربات التي تُكمل البحث العلمي في قضية المناخ ولا تنافسه.
وبعد تمعن، نجد أن السيناريو وما ينتجه من الفنون البصرية يمكن ان يكون إضافة و فضاء جديا للتفكير في نفس القضية ، قادرا ليس فقط على نقل النقاش من دائرة الخبراء إلى المجتمع من أجل الانتقال من المعطيات والأرقام إلى المعنى والوعي، بل أيضًا الانفتاح على تحليل ومناقشة مفاهيم دون قيود وأطر ومعادلات رياضية.
فلا ننسى أن ما نعيشه اليوم من تطور تكنولوجي كان يومًا ما خيالًا علميًا تكتبه الرواية والسيناريو.
تحتاج التحديات المناخية بلا شك، إلى العلماء والباحثين، لكنها تحتاج أيضًا إلى الكتّاب، والسيناريست، والمخرجين، والفنانين. فصناعة الوعي لا تنحصر داخل المختبرات أو الاجتماعات الدولية، بل تُبنى أيضًا من خلال الصور التي نبتكرها، والقصص التي نكتبها، والأسئلة الجديدة التي نطرحها إلى الرأي العام.
وأعتقد أن أحد أهم رهانات المرحلة القادمة هو بناء هذا الجسر بين المعرفة العلمية والإبداع، حتى لا تبقى القضايا المصيرية سجينة التقارير والتوصيات، بل تتحول إلى جزء من الوعي الجماعي والمخيلة المشتركة. فالسيناريو، مثلا، يمتلك قدرة استثنائية على نقل المعرفة دون تحويلها إلى درس، وعلى إثارة الأسئلة دون أن تقدم بوصفها إجابة نهائية. وهو يمنح الأفكار منحًى جديدًا من خلال الشخصيات والفضاء والأحداث والتشويق فيصير المتلقي شريكًا في التجربة لا مجرد متلقٍ للمعلومة. ففي القضايا الكبرى، مثل التغيرات المناخية، لا يكفي أن نفهم ما يحدث، بل نحتاج إلى أن نتخيل انعكاساته وأن نرى أنفسنا جزءًا منه.
والسيناريو، لا ينقل القضية إلى المتفرج فحسب، بل يضعه داخلها، ويجعله يعيشها ويتفاعل معها. كما أنه يمتلك قدرة فريدة على العبور من نص مكتوب إلى صورة متحركة وصوت وأداء، ومن ثمة الى حوار ونقاش عام. ولذلك هو أكثر قدرة على نقل المعرفة من دائرة متخصصة وضيقة إلى فضاء التأثير المجتمعي الواسع.
وربما لهذا السبب نلاحظ في عصرنا ان الصورة المتحركة– والتي أساسها- أصبحت من أكثر الوسائط تأثيرًا في تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام. وصار الرهان اليوم مرتبطًا بالنماذج القادرة على إيصال المعرفة إلى المجتمع وتحويلها إلى مساحة للتفكير والحوار والتفاعل.
وأهم شروط هذا ا الرهان هي الاستناد إلى معرفة عميقة بالموضوع. فالإبداع الحقيقي ينشأ من مسافة صفر بين المبدع وقضيته، ومن فهمه لتعقيداتها وتشابكاتها. وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول الكتابة الإبداعية، والسيناريو والرواية، إلى امتداد طبيعي للبحث العلمي؛ لا لتكون مجرد وسائل إيصال معطيات، لكن – وحسب رأيي هذا الأهم – بل تكون فضاءات لإعادة طرح الأسئلة، وإعادة بناء العلاقة بين المعرفة والمجتمع.
ومن هذا المنطلق، لا ينحصر الانتقال من البحث والمقال إلى السيناريو والإخراج، في تغيير وسيلة التعبير، بل أيضًا في طريقة المعالجة. فالقيمة الحقيقية تكمن في الخروج من الأطر التقليدية للخطاب المناخي السائد و للمخرجات المتكررة في القمم والمؤتمرات الدولية الى انفتاح ذهني وحرية فكرية وتحليلية.
فقضية التغيرات المناخية بما تحمله من تحديد مصير البشرية تستوجب نقاشا متعدد الزوايا والرؤى ويكون منفتحا على التساؤل الحر والتحليل والمراجعة المستمرة، لا أن تسيطر عليه المسلمات العلمية ذات رؤية واحدة.
إذ يؤدي حصر دراسة المناخ في إطار زمني يقتصر على العقود أو حتى القرون الأخيرة إلى إغفال جانب من الصورة الأشمل. فالمناخ رافق تاريخ الأرض منذ ملايين السنين، وشهد تحولات عميقة ومتعددة قبل ظهور الإنسان وبعده.
ولا نقصد بذلك التقليل من مسؤولية الإنسان بل هو نداء لتبني قراءة أكثر اتساعًا وعمقًا لهذه التغيرات، قراءة تضع الحاضر ضمن سياق زمني أطول، وتبحث في مختلف العوامل ومنها المسكوت عنها.
وما يستوجب هذا التوجه هو أن النقاش حول المناخ يُبرز صعوبة تنفيذ الحلول المقدمة حيث إننا لا نلاحظ حدًا من درجات التحولات الحرارية على سبيل المثال، لذلك فاننا اليوم نحتاج إلى إعادة التفكير في تشخيص الأسباب ومدى ارتباطها بالإنسان واستشراف السيناريوهات المحتملة، وإعادة التفكير في الحلول العملية والقابلة للتنفيذ وإلى البحث عن طرق جديدة للتكيف والابتكار، لتكون أكثر انسجامًا مع التحديات المناخية القادمة.
والبحث عن زوايا مغايرة وعن أسئلة لا تُطرح في النقاشات السائدة، كان أحد الدوافع الحقيقية وراء كتابتي سيناريو «ما قبل الاندثار». فالفكرة انطلقت من إعادة طرح الأسئلة وتوسيع مجال التفكير وفتح حوار أعمق حول ما هو سائد من نظريات و لبحث في ما هو غير سائد، والحلول التي تتبع ذلك.
وأعتقد أن الإبداع الحقيقي لا يأتي من التحليق بعيدًا عن الموضوع، بل من الغوص فيه. فكلما ازدادت معرفة الإنسان بالقضية التي يعالجها ازدادت قدرته على إعادة بنائها بصورة مختلفة. وأجمل الإبداع حسب رأيي عندما يكون الخيال امتدادًا للمعرفة لا بديلًا عنها.
وفي هذا السياق، كتبت سيناريو فيلم «ما قبل الاندثار»، وهو مشروع سينمائي يستلهم قضايا المناخ والتحولات البيئية من زاوية تتجاوز الطرح التقليدي الذي يختزل المسألة في مجموعة من الأسباب، وفي مقدمتها النشاط الصناعي، وما يرتبط به من مؤشرات وتوقعات علمية، وما يتبعه من حلول. إذ أن السيناريو ينطلق من سؤال مختلف: هل أحطنا حقيقة بكل أبعاد الظاهرة قبل أن نقرر أيَّ حلول نتبع؟ فيأتي مشروع «ما قبل الاندثار» في شكل فيلم روائي قصير ملتزم محاولًا فتح أفق جديدة للتفكير في هذه القضية.
وتدور أحداث الفيلم حول سارة وهي صحفية شابة متخصصة في قضايا المناخ، تعود إثر وفاة والدها من باريس التي نشأت فيها إلى جذورها : الصحراء التونسية لتنطلق في رحلة بحث مختلفة على ما تنتجه قمم المناخ والحوارات الرسمية.
ولا تقتصر خصوصية هذا المشروع على زاوية المعالجة الفكرية، بل أيضًا على طريقة إنتاجه. فقد صُمم ليُنجز بالذكاء الاصطناعي دون أن يلغي الممثلين في تجربة تسعى إلى استغلال التطورات التكنولوجية ومواكبة العصر في السينما.
وبذلك يجمع المشروع بين البحث العلمي والدراما الإنسانية ويستثمر تقنيات الذكاء الاصطناعي لبناء تجربة بصرية وسردية معاصرة، لا تهدف إلى تقديم إجابات نهائية بقدر ما تدعو المشاهد إلى التفكير وإلى التساؤل عما قد يسبق الاندثار.
وقد تبنت المخرجة التونسية، ابنة القلعة الكبرى، هادية بن عايشة فكرة الفيلم، كما مكنتنا وزيرة الثقافة، مشكورة، من شهادة الرعاية الفنية، وهو ما يمكن كل ممول للفيلم، إضافة للإشهار خلال الفيلم، من استرجاع ما موَّله من مقدار الضرائب السنوي، فمرحبًا بالجميع من أجل “ما قبل الاندثار”.
لقد تم إعداد ملف متكامل للمشروع، إلى جانب تصور أولي لكيفية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في بناء بعض عناصره البصرية. ولكم بعض اللقطات قبل ان أختم.
في الختام، في الحقيقة، ما حاولت طرحه اليوم لا يتعلق بالمناخ أو بالسيناريو بل بسؤال أوسع: كيف يمكن للمعرفة أن تواصل رحلتها خارج حدود الورقة البحثية؟ فالبحث العلمي يكتسب حياة جديدة عندما يتحول إلى عمل فني يصاحب المشاهد في وجدانه بعد العرض فتصبح القضايا التي تمس مستقبلنا جزءًا من الوعي العام لا حكرًا على دوائر الاختصاص.
وعلى هذا الأساس ينطلق مشروع «ما قبل الاندثار»، فهو لا يحاول تقديم حقيقة نهائية ولا إضافة خطاب جديد إلى الخطابات القائمة، بل يحاول فتح نافذة أخرى للنظر، وإثارة أسئلة قد تدفع إلى إعادة التفكير، فكل تقدم علمي كبير بدأ في النهاية بسؤال لم يكن أحد يجرؤ على طرحه.
*تم تقديم هذه الندوة خلال ندوة علميةالتأمت يوم 27 جوان تحت عنوان "التغير المناخي والأمن المائي" من تنظيم جمعية علوم وتراث بالقلعة الكبرى، بالشراكة مع المكتب الجهوي للتربية والأسرة بسوسة **مهندسة. رئيسة جمعية المهندسين المدنيين. كاتبة. روائية.