يمثل ثلاثي “الكلسات” ضمن أيام قرطاج اقتراحا فنيا يختبر ما يمكن أن تفعله الموسيقى حين تتحرر من القوالب الجاهزة، وحين يصبح الارتجال وسيلة لإعادة بناء العلاقة بين العازفين وبين الجمهور وبين الركح نفسه.
شادن نهرة على الكمان، وميشيل توتري على الغيتار، وناصر رائد على الدرامز، يصوغون تجربة تقوم على الحوار، وتضع الجاز المعاصر والجاز فيوجن في مواجهة مفتوحة مع ملامح من الموسيقى العربية، ومع ذاكرة فلسطينية تتسرب إلى تفاصيل العرض وموسيقاه وصورته.
منذ اللحظات الأولى، يتضح أن “الكلسات” لا يتعامل مع الموسيقى الآلية باعتبارها مساحة لاستعراض المهارة التقنية فقط. المؤلفات تنشأ غالباً من جلسات ارتجال طويلة، وهو ما يمنح كل آلة موقعاً داخل حوار متحرك.
الكمان لا يكتفي بتقديم اللحن، والغيتار لا يتحول إلى خلفية، والدرامز لا يؤدي وظيفة إيقاعية محضة، وتتغير العلاقة بين الآلات وفقاً لمسار المقطوعة.
جملة موسيقية يمكن أن تبدأ هادئة وتأملية، قبل أن تتسع تدريجيا وتتحول إلى مساحة أكثر اندفاعا، ثم تعود إلى الهدوء.
والارتجال في فلسفة المجموعة جزء من طريقة التفكير الموسيقي. فالثلاثي يترك مساحة لما يمكن أن يحدث أثناء العزف، ويقبل بأن تكون الموسيقى في حالة تفاوض مستمر بين الآلات. وهذا ما يجعل التجربة قريبة من روح الجاز، لكن دون أن تنغلق داخله، إذ تستفيد من الفيوجن ومن تقاليد الموسيقى العربية ومن إمكانات الآلات الثلاثة في إنتاج صوت لا يستقر طويلاً على شكل واحد.
غير أن ما يمنح عرض “الكلسات” خصوصيته داخل أيام قرطاج الموسيقية هو أن التجريب لم يتوقف عند الصوت. فالركح نفسه تحول إلى جزء من التكوين الفني، وكانت الشخصيات والحركة والملابس والإيماءات امتداداً للموسيقى.
أمام الجمهور تظهر ثلاثة آلات فقط وثلاث شخصيات لكل منها حضورها الخاص، وحسها في اللعب والتفاعل، بما يجعل العرض أقرب إلى بناء فرجة موسيقية تتداخل فيها النغمة مع الجسد والصورة والفكاهة.
وفي العرض، حس فكاهي واضح في طريقة الحضور على الركح، وفي الحركة وفي بعض التفاصيل البصرية، وكأن الثلاثي يرفض الصورة النمطية للعازف الجاد الذي يظل أسير آلته.
الموسيقى عند “الكلسات” يمكن أن تكون معقدة في بنائها، لكنها لا تحتاج إلى أن تكون ثقيلة في حضورها، وهذا التناقض بين عمق التجربة وخفة الأداء يمنح العرض شخصية مختلفة.
ويبرز عازف الكمان شادن نهرة بصورة خاصة في هذا الجانب، فحضوره لا ينحصر في العزف، ويستفيد من الجسد والإيماءة وتعبيرات الوجه، وفي بعض لحظاته يستدعي في الذاكرة شخصية شارلي شابلن، عبر ذلك المزج بين الصمت والحركة والمفارقة والكوميديا الجسدية.
ويتحول الكمان بين يديه إلى جزء من هذه الشخصية، وتصبح طريقة حمل الآلة والحركة بها وحولها امتداداً للجملة الموسيقية. فلا تنفصل العين عن الأذن فالجمهور يسمع الموسيقى ويراقب في الوقت نفسه الطريقة التي تولد بها على الركح.
وفي مقابل هذه الخفة، تحضر فلسطين في العرض بجدية هادئة، ولكن دون أن تتحول إلى خطاب مباشر فالهوية الفلسطينية جزء من الطريقة التي يبني بها الثلاثي صورته ويعرّف علاقته بالموسيقى.
ويظهر جورب بتفاصيل مستوحاة من البطيخ، بألوان تتقاطع مع ألوان العلم الفلسطيني، في إشارة إلى رمز أصبح مرتبطا في الذاكرة البصرية بالنضال الفلسطيني. ويظهر جورب آخر بألوان وتفاصيل تستحضر اختلاف التطريزات الفلسطينية وتنوعها، بينما حضرت الكوفية أيضاً ضمن العرض، في سياق اكتسب دلالة إضافية مع تزامن العرض مع السابع من أكتوبر.
هذه التفاصيل لا تبدو مجرد إضافات بصرية، لأنها تتقاطع مع فكرة أساسية في تجربة “الكلسات” وهي أن الهوية يمكن أن تظهر في التفاصيل اليومية وفي الثقافة البصرية وفي طريقة اللعب
حتى البطيخ، الذي يبدو للوهلة الأولى عنصراً طريفاً في الجورب، يحمل طبقات من الذاكرة السياسية والثقافية. والتطريز الفلسطيني، بما يحمله من اختلاف الألوان والرموز، يستحضر بدوره جزءاً من هوية تُحفظ في التفاصيل قبل أن تُرفع في الخطابات.
والثلاثي لا يفصل بين فلسطين والموسيقى التجريبية. فهويته الفلسطينية لا تدفعه إلى العودة إلى شكل موسيقي تراثي مغلق، وتبدو جزءاً من بحثه عن لغة معاصرة.
وتراهن “الكلسات” على قدرة الموسيقى على خلق مناطق مشتركة بين أشياء تبدو متباعدة: الجاز والموسيقى العربية، الارتجال والتأليف، الجدية والفكاهة، الصوت والصورة، الذاكرة الفلسطينية واللغة الموسيقية المعاصرة.
وتتجاور هذه العناصر وتتفاعل فحين يندفع الدرامز، ويتداخل معه الغيتار والكمان، لا يكون الارتجال منفصلاً عن حركة العازفين وحضورهم المسرحي. وحين تظهر الكوفية أو ألوان البطيخ والتطريز، لا تنقطع الخيط بين الصورة والموسيقى، بل تستمر الفكرة نفسها وهي التعبير عن الذات من خلال أكثر من لغة في اللحظة ذاتها.