غيّب الموت، اليوم، أحد أبرز أعمدة الأغنية الشعبية التونسية، بعد تدهور حالته الصحية ونقله إلى المستشفى العسكري.
وبرحيله، خسرت واحداً من أكثر الأصوات التي دافعت عن فن المزود حين كان وجوده نفسه محل مساءلة وتهميش.
وُلد صالح الفرزيط في الأول من جوان 1953، وبدأ رحلته الفنية في سبعينيات القرن الماضي، في مرحلة كانت الأغنية الشعبية تبحث عن مكانها داخل المشهد الثقافي التونسي.
لم يكن همه أن يكرر ما سبقه إليه الآخرون، إنما أن يمنح المزود نفسا جديدا دون أن ينتزع منه جذوره لذلك ظل وفياً لإيقاعه الشعبي، لكنه أعاد صياغة أدواته، وطوّر أساليب الأداء والتلحين، ليصبح أحد أهم المجددين في هذا اللون الموسيقي، من دون أن يفرّط في هويته التونسية.
كان المزود بالنسبة له لغة اجتماعية كاملة، تنطق بلسان الأحياء الشعبية والطبقات البسيطة فارتبط اسمه بنوع من المقاومة الثقافية، في زمن كان هذا الفن يُنظر إليه بكثير من التعالي، ويُدفع إلى الهامش.
لكنه آمن بأن ما يولد من الناس لا يمكن أن يموت، وأن الأغنية التي تشبههم ستجد دائماً طريقها إلى قلوبهم، مهما أغلقت أمامها الأبواب وكانت مسيرته شاهدة على هذا الإيمان.
ففي سنة 1976، كتب واحدة من أكثر محطاته تأثيراً، عندما خرجت من داخل السجن أغنية حملت وجع الحرية وأسئلة العدالة والكرامة. ليجعل التجربة مادة فنية تنحاز إلى الإنسان، وهو ما منح أعماله صدقاً ظل يرافقها لعقود.
وخلف صالح الفرزيط رصيدا غنائيا أصبح جزءاً من الذاكرة الشعبية، من “البراني” إلى “ميقودة”، ومن “يا معذبة قلبي” إلى “بين الوديان”، و”امسح دموعك يا عين” و”ليام تجري”. أغنيات لم تكن مجرد نجاحات جماهيرية، بل وثائق وجدانية تحفظ تفاصيل الحياة اليومية، والحب، والفقد، والغربة، والانكسارات الصغيرة التي تصنع حياة الناس.
ولم يتوقف حضوره عند الموسيقى، إذ خاض تجارب في السينما والتلفزيون، محافظاً على تلك العفوية التي أحبها فيه الجمهور، فشارك في أعمال من بينها فيلم “عزيز روحو” ومسلسل “شورب”، مؤكداً أن حضوره الإنساني يسبق حضوره الفني.
برحيل صالح الفرزيط، تخسر تونس أحد الأصوات التي لم تساوم على انتمائها الشعبي، ولم تعتبر الفن ترفاً، ورأت فيه وسيلة لحفظ الذاكرة والدفاع عن هوية موسيقية كاملة.
سيغيب الجسد، لكن ذلك الصوت الخشن والدافئ في آن، سيظل يخرج من أجهزة التسجيل، ومن الأعراس، ومن المقاهي، ومن ذاكرة أجيال كاملة، شاهداً على زمن كانت فيه الأغنية الشعبية مرآة للناس.
رحم الله صالح الفرزيط، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما تركه من إرث فني وإنساني باقياً في وجدان تونس، تماماً كما بقي صوته لعقود يروي حكاية شعب بأكمله.