في وثائقي “حبيبي حسين” لم يصنع أليكس بكري فيلما عن إعادة افتتاح “سينما جنين”، إنما عن رجل وجد نفسه، بعد أكثر من أربعة عقود قضاها في خدمة المكان، خارج حكايته. فالفيلم، الذي تولت إنتاجه مي عودة، ينطلق من شخصية مشغّل سينما مسنّ تبدو للوهلة الأولى هامشية، قبل أن يكشف تدريجيا أنها قلب الحكاية كلها، وأن ما يجري ليس ترميما لمبنى، بقدر ماهو إعادة صياغة للسلطة على الذاكرة.
“حسين” ليس مجرد موظف قديم، إنه الذاكرة الحية لسينما جنين، يعرف رائحة آلات العرض القديمة وصوتها وملمسها، ويحفظ تفاصيل القاعة كما يحفظ ملامح وجهه.
بالنسبة إليه، السينما تتجاوز الوظيفة لتتحول إلى حياة كاملة، الأمر الذي يجعل من محاولات استبعاده من المشروع لحظة رمزية تحاكي سؤالا عن صاحب الحق في المكان، وصاحب الحق في رواية تاريخه.
في الفيلم يدور كل شيء حول التحولات في ملامح حسين التي تلتقطها الكاميرا وهو يكتشف أن المشروع الذي حلم به سنوات طويلة لم يعد يحتاج إليه.
هذا الاختيار يمنح الفيلم شاعرية مخصوصة، فالتراجيديا تكمن في الصمت وفي النظرات
وفي ذلك ذلك الشعور المتنامي بأن الرجل الذي حافظ على السينما طوال سنوات الخراب صار غريبا فيها بعد إعمارها.
وبينما تسائلنا ملامح حسين، يتبدى الاستعمار في وجه جديد بعيدا عن القوة العسكرية، لتظهر منظومة أكثر تعقيدا في استعمار يمارس نفسه عبر التمويل، وإدارة المشاريع، وإعادة تعريف الثقافة، وتحديد من يملك حق اتخاذ القرار.
الفيلم لا ينكر أهمية ترميم السينما، لكنه يطرح سؤالا أكثر إلحاحا عما يعني إنقاذ الحجر إذا كان ذلك يتم على حساب الإنسان الذي حفظ ذاكرته؟
هذا السؤال لا يتجلى بصراحة في الفيلم الذي يظهر موقفه في زوايا التصوير وفي ملامح الوجوه وفي المنطوق والصامت، فأليكس بكري
يترك الإجابة تنمو من داخل التفاصيل اليومية. فكلما ازداد المشروع تنظيما وحداثة، تقلص حضور حسين، وكلما اقترب موعد الافتتاح، ازداد اغترابه، ليخسر الرجل عمله وموقعه داخل السردية التي عاش عمره وهو يحرسها.
وما يحسب للمنتجة والمخرج رهانهما على فيلم ينقل النقاش إلى مستوى آخر، حيث تتمحور المعركة حول الذاكرة، والحق في إدارة المؤسسات الثقافية، ومن الأحق بتشغيل آلة عرض الحكاية الفلسطينية.
وهي تتآكل أمام أعيننا حتى تلاشت عن الوجود تماما كما تداعت سينما جنين، تكتسب شخصية حسين بعدا إنسانيا عميقا فهو يجسّد الفلسطيني الذي يخسر حقه في رواية حكايته.
فحينما كان هو من يشغّل جهاز العرض، كان يمتلك، بصورة رمزية، سلطة الحكاية، لكن حين سنوات إلى انتزاع هذا الدور منه صار استعارة مكثفة لشعب يلهثون وراء رواية حكايته بعيدا عن الحقيقة.
وبصريًا، يختار أليكس بكري لغة هادئة، أقرب إلى التأمل، ترافق الكاميرا حسين وتمنح الصمت مساحة توازي الحوار، فيما تتحول الممرات الفارغة، وآلات العرض القديمة، والغبار المتراكم، إلى شخصيات موازية تروي الذاكرة النازفة.
حينما ينتهي الفيلم، تغادر وأن تحمل وجه حسين، ذلك الرجل البسيط الذي حول أليكس بكري قصته إلى تأمل عميق في الاغتراب، وفي الاستعمار بأشكاله المتجددة، وفي الذاكرة حين يحاول الآخرون إعادة تشكيلها.
وعبر السينما، أنقذ أليكس بكري ومي عودة ما تبقى من ذاكرة يصعب ترميمها بعد أن غاب أصحابها، وغابت الأمكنة التي منحتهم معنى وجودهم.