في ذلك اليوم، لم تكن نورس عاشور، أو “نادين” كما يناديها المقرّبون منها، تعلم أنها تستعد للفظ أنفاسها الأخيرة بالمستشفى الي هرعت إليه صحبة أبيها لعلاجها بعد تعكر حالتها الصحية. كانت في السابعة والعشرين من عمرها، تعمل كبائعة باحدى الصيدليات بمعتمدية بوعرقوب التابعة لولاية نابل. كانت نورس فتاة في كامل صحتها حسب ما أكدته عائلتها، إذ لم تكن تشكو من أي مرض مزمن، عرفت بحبها للحياة و بدماثة أخلاقها حتى أن وفاتها كان لها وقع الصدمة في قلوب كل من عرفها من أهالي منطقتها. لم تكن تفصل نورس عن زواجها سوى أسابيع قليلة. كانت تعيش تفاصيل الفرح، تختار، تخطط، وتحلم. شهر واحد فقط كان يفصلها عن دخول عالم جديد، لكن القدر كان يكتب لها نهاية أخرى.
صبيحة 12 ديسمبر 2025 لم يكن في حياة نورس ما يوحي بالخطر. في تصريح خصت به موقع ريالتي أونلاين، أكدت ندى عاشور شقيقة الفقيدة ان ذلك اليوم كان تقريبا يوما كغيره من الأيام. فقد تحدثت كعادتها مع عائلتها واختها الصغرى نورس بالهاتف. أخبرتها هذه الأخيرة أنها كانت تشتكي من آلام في الحنجرة، مطمئنة اياها بان لا شيء يستدعي القلق قائلة انه على الأرجح بوادر برودة بسبب تغيّر الطقس. أرسلت لها رسائل صوتية تمازحها فيها وأخرى تخبرها فيها عن آخر الاستعدادات والتحضيرات لحفل الزفاف، وذلك قبل ساعات فقط من تعكّر حالتها. فلم يكن هناك ما ينذر بأن هذه الرسائل ستكون آخر الرسائل التي ستصلها من أختها.
في المساء، وبينما كانت ندى ببيتها كعادتها إلى جانب ابنتها وزوجها، رنّ هاتفها ليخبرها والدها انه قام بنقل شقيقتها الصغرى والوحيدة نورس إلى قسم الاستعجالي بالمستشفى الجهوي محمد الطاهر المعموري بنابل بعد تدهور حالتها. وصلت نورس إلى قسم الاستعجالي حوالي الساعة الحادية والنصف مساءا. كانت تشكو من انتفاخ وآلام بالحنجرة. سألتها الطبيبة المقيمة عن حالتها فاجابتها أنها تعاني من صعوبة في التنفس.
سألتها ثانية إن كانت قد تناولت دواء ما، فأجابت نورس بأنها أخذت قرصاً واحداً من مضاد حيوي شائع الاستعمال يُصرف في أغلب الصيدليات التونسية دون وصفة طبية. تؤكد ندى أن شقيقتها لم تكن تعاني من أي حساسية تمنعها من تناول هذا الدواء أو غيره باستثناء حساسية للبنسلين. وأكدت ان اختها كانت واعية بذلك بحكم عملها في الصيدلية ومعرفتها بالأدوية التي لا تتلاءم مع حالتها.
رغم ذلك، جاء الرد صادماً. تقول ندى إن الطبيبة المقيمة أجابت أختها ببرود قائلة ببساطة أنها لا يمكنها فعل شيء، وانه لا يمكنها إضافة أي نوع آخر من الدواء باعتبار أنها تناولت مضادا حيويا.
بعد قيس نسبة الأكسجين في الدم تبين أنها كانت في حدود 97 بالمئة، أي قريبة من الطبيعي، فأبلغت الطبيبة نورس أنها قادرة على العودة إلى منزلها وان حالتها لا تستدعي إجراءات استعجالية أخرى. لكن نورس، التي كانت تشعر بأن أنفاسها تختنق داخل صدرها، حاولت أن تشرح للطبيبة حالتها ، مشيرة إلى إنها لا تستطيع التنفس كما يجب. هنا، وبدل أن تجد أذناً صاغية، جوبهت بالسخرية. فحسب رواية ندى ، شقيقة الفقيدة، فقد اكتفت الطبيبة بالرد باستهزاء قائلة بالحرف الواحد: “تحبي نثقبلك ثقب في حنجرتك باش تتنفسي منه؟”.
أمام هذا الموقف، لم يجد والدها خياراً سوى إقناعها بالعودة إلى المنزل، كما قالت الطبيبة. خرجت نورس متجهة إلى السيارة المركونة على بعد أمتار من قسم الاستعجالي، لكنها لم تصل. سقطت مغشياً عليها قبل أن تبلغها. هرع عدد من المواطنين الذين كانو على مقربة منها لمساعدتها، وأعادوا إدخالها إلى قسم الاستعجالي. هناك، وفق رواية العائلة، كانت الطبيبة جالسة على كرسيها، وقالت باستخفاف حسب ما أكدته عائلة الفقيدة: “شنوة، دُخت؟ هيا فيق”. لكن نورس لم تفق. مرت دقائق، وبدأت شفتاها تزرقّان. عندها فقط أدركت الطبيبة أن المريضة في حالة استعجالية حقيقية بعد توقف قلبها.
تم الشروع في الإسعافات الأولية، واستُعملت الصدمات الكهربائية لإعادة تشغيل القلب. عاد القلب للعمل، لكن الثمن كان فادحاً. بقي قلب نورس متوقفاً حوالي 12 دقيقة، وهو وقت كافٍ لإحداث دمار واسع في الدماغ بسبب نقص الأكسجين. نُقلت إلى قسم الإنعاش وبقيت هناك 22 يوماً تصارع الموت، جسد حاضر وروح غائبة. كانت العائلة تزورها يوميا بل تكاد لا تفارق بهو المستشفى، علّها تعود اليها ابنتها.
في الثاني من شهر جانفي الجاري نزل الخبر كالصاعقة على مسامع العائلة. فقد أخبرهم المستشفى بوفاة ابنتهم نورس. شابة في السابعة والعشرين، لا تشكو من أي أمراض مزمنة، دخلت المستشفى تمشي على قدميها، وخرجت منه جثة هامدة. صدمة لم تستفق منها العائلة إلى اليوم. تقول ندى إن شقيقتها كانت “تمازحها سويعات قليلة قبل ايواءها بالمستشفى”، وكانت تشرف على تحضيرات زواجها ومتمسكة بالحياة إلى ابعد الحدود.
وأكدت ندى عاشور في تصريح لريالتي أونلاين أن عائلتها تتهم المستشفى بالاهمال والتقصير الطبي و بعدم تقديم المساعدة لشخص في خطر في الوقت المناسب. وأشار إلى أن عائلتها قامت برفع عدد من الشكاوى الرسمية إلى كل من وزارة الصحة، والإدارة الجهوية للصحة بنابل، وعمادة الأطباء، مطالبة بفتح تحقيق اداري في ملابسات وفاة نورس في انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات. وكشفت ندى أن العائلة تستعد لرفع عريضة لوكيل الجمهورية لفتح تحقيق في ملابسات وفاء أختها مشيرة الى تمسك العائلة بتتبع كل من سيكشف عنه البحث.
تنويه:
يذكّر مختصون في الصحة العامة بأن المضادات الحيوية ليست علاجاً عاماً لكل الأمراض، ولا يجوز استعمالها تلقائياً عند ظهور أعراض مثل آلام الحنجرة أو نزلات البرد. فمعظم التهابات الحنجرة والأنف والقصبات تكون ذات منشأ فيروسي، والمضادات الحيوية لا تؤثر على الفيروسات إطلاقاً. بل إن استعمالها في هذه الحالات لا يقدّم أي فائدة علاجية، وقد يعرّض المريض لمضاعفات غير ضرورية، من بينها التفاعلات التحسسية الخطيرة.
كما أن المضادات الحيوية ليست ناجعة ضد كل أنواع البكتيريا، إذ توجد سلالات أصبحت مقاومة لها بسبب الإفراط وسوء الاستعمال، وهو ما يعرف عالمياً بظاهرة مقاومة المضادات الحيوية (Antibiotic resistance). هذه الظاهرة تُعدّ اليوم واحدة من أخطر التهديدات للصحة العالمية، حيث تتسبب سنوياً في نحو 700 ألف حالة وفاة عبر العالم حسب منظمة الصحة العالمية، مع تحذيرات من أن هذا الرقم قد يرتفع بشكل كارثي خلال العقود القادمة إذا استمر الاستعمال العشوائي لهذه الأدوية.
في هذا السياق، يشدد الخبراء على أن أي مضاد حيوي يجب أن يُصرف بناءً على تشخيص طبي واضح، وليس كاستجابة تلقائية لأعراض قد تكون فيروسيّة أو عابرة. فالعلاج الخاطئ لا يكون فقط بلا جدوى، بل قد يكون قاتلاً.