بعض الأصوات تمرّ سريعا ثم تختفي، وأخرى تتقدّم ببطء لكنها تترك أثرًا يشبه الضوء حينما يعانق الجدران العتيقة، وبثينة نابولي من بينها.
فهي لا تبني علاقتها مع الجمهور على ضجيج الظهور ولا على رواج اللحظة الرقمية، بل على تراكم هادئ لثقة تشكّلت عبر حضور صوتي يحمل شيئًا من الألفة وشيئًا من الغموض.
ولأن إطلاق أول ألبوم في المسيرة يحاكي صياغة هوية، واختيار جمالي، والطريقة التي يريد بها صاحب المشروع أن يُعرّف نفسه، ليشكل مشروع ” دوليشة” مرحلة جديدة نحو التفرد.
الاسم نفسه يفتح باب التأويل، فهو يتعدّى الإيقاع اللفظي والجاذبية التسويقية إلى الإيحاء بالحركة والانتقال والإنصات والتأمل.
في هذا الألبوم، تقترح بثينة نابولي رحلة داخل حالات شعورية مختلفة، داخل طبقات من الذاكرة والانفعالات والنوستالجيا.
والمتابع لمسار بثينة نابولي يلاحظ أن حضورها لم يُبنَ على القطيعة مع الموجود، بل على البحث التدريجي عن موقع خاص داخل المشهد الموسيقي التونسي.
هي من الأصوات التي لم تكتفِ بإظهار الإمكانات التقنية، بل اشتغلت على بناء شخصية صوتية يمكن التعرف إليها حتى خارج الصورة.
ذلك أن قوة الصوت وحدها لا تصنع مشروعًا فنيًا، إذ يجب أن يعرف الصوت ماذا يقول وكيف يقوله.
في “دوليشة”، يبدو أن بثينة اختارت أن تتقدّم خطوة أخرى، ألا تكون مؤدية فقط، بل أن تدخل إلى مساحة أوسع من صناعة الأغنية، وأن تقترب من الكتابة والتلحين باعتبارهما امتدادًا للصوت.
وهذا الانتقال يكشف عن رغبة في امتلاك خطاب فني أكثر اكتمالًا، وفي بناء عالم شخصي لا يكتفي بتلقي النصوص والألحان بل يشارك في تشكيلها.
هذه الرغبة في المشاركة في خلق المادة الفنية تمنح المشروع بعدًا مختلفًا، ليعد الألبوم بمثابة مساحة تعاون بين حساسيات متعددة تتقاطع لصناعة لغة واحدة.
لغة تحاول أن تبقى قريبة من روح الأغنية التونسية دون أن تتحول إلى تكرار لها، وأن تنفتح على تعبيرات موسيقية معاصرة دون أن تفقد جذورها.
هذا التوازن الصعب بين الانتماء والبحث، هو ما يلفت الانتباه إلى تجربة بثينة نابولي التي عرفها الجمهور عبر تجارب متعددة، من الأعمال التلفزيونية إلى المشاريع الموسيقية التي تجاوزت الحدود المحلية.
لكن هذه التنقلات لم تبدُ يومًا كقفزات متفرقة، بل كبحث متواصل عن المساحة التي يمكن أن يسكنها صوتها.
حتى التجارب الجماعية التي خاضتها خارج القوالب التقليدية للأغنية التونسية لم تبدُ وكأنها ابتعاد عن الذات، بل توسيع لحدودها.
وفي كل هذه التجارب كانت تختبر قدرة صوتها على الانتقال بين أمكنة مختلفة دون أن يفقد نبرته الخاصة.
وفي سلسلة من المواعيد الصيفية من بينها مهرجان الحمامات الدولي، ستختبر بثينة نابولي مشروعها الجديد أمام الجمهور.