مرتديا البلوزة والظلالة وغيرها من الأزياء المميزة لجزية جربة، حل جمهور “عشاق المحفل” للفنان إبراهيم خليل ليستعيد طقسا كاملا في موعد مع ذاكرة يعرفها البعض من طفولتهم، ويحاول آخرون اكتشافها للمرة الأولى.
أعمار مختلفة، أجيال متجاورة، عائلات وشباب وكهول، لبوا جميعا نداء “عشاق المحفل”، العرض الذي نظمته ودادية أعوان الإدارة المركزية بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
وفي المسرح الأثري بقرطاج لم يرتد التراث وجها من وجوه التحديث ولا جلس خلف زجاج الذاكرة، لقد كان متحركا وحيا بما يكفي، يغني ويرقص ويستدعي الجمهور إلى قلب الحكاية، حكاية المحفل أو الزهو.
كان الركح أشبه بمحفل كبير، وكان الرقص والغناء يتحركان كجسد واحد، فيما يلتقط
العازفون حركة الراقصين، ويستجيب الراقصون لتحولات الإيقاع.
هذا التناغم كان من أكثر عناصر العرض حياة. لا أحد على الركح يبدو منفصلا عن الآخر، الآلات، والأصوات، والأجساد، والإيقاعات وحتى الصمت القصير بين مقطع وآخر، كلها تدخل في بناء المشهد.
وكانت الموسيقى الشعبية التونسية، بإيقاعاتها المتعددة، تستعيد حضورها من خلال الزكرة وغيره من الآلات التقليدية، بينما فتحت الطبوع الصوفية والسطمبالي أبوابًا أخرى للذاكرة.
وفي لحظات، بدت الإيقاعات الجربية القديمة وكأنها تستحضر مواكب بعيدة، قبل أن تنفتح على الغناء الشعبي وعلى طاقة احتفالية جعلت المدرجات نفسها تبدو جزءا من العرض.
وفي نسيج واحد متماسك تجلت كل عناصر التراث في “عشاق المحفل”، وتظافرت الأغنية والكلمة والآلة واللباس والحركة لتصنع مشهدا تونسيا كاملا.
وكانت الأزياء جزءا من السرد، البلوزة والظلالة والجبايب في الجمهور، والأزياء التقليدية على الركح، قلصت الحدود وتوزع التراث في أرجاء المسرح، وصار اللباس مشتركا.
وحملت الأثواب التقليدية ذاكرة المكان، وحملت ذاكرة الصوت وحفظت الخطوة ذاكرة الجسد، فيما حفظت الكلمات ذاكرة اللغة اليومية والشعبية.
وفي “عشاق المحفل”، كان التراث حاضرا في تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة، في طريقة الوقوف، وفي حركة الراقصين، وفي الإيقاع، وفي الأغنية، وفي الكلمات التي يعرفها الجمهور ويردد بعضها معه، وفي تلك العلاقة القديمة بين الفن والاحتفال الجماعي.
ولأن الجمهور جاء ليكون جزءا من المحفل
لم يكن غريبا أن يتفاعل بحماسة، فمنذ أن بدأت الإيقاعات في الاقتراب من الذاكرة الجماعية، بدأت المدرجات تستجيب.
تصفيق، ترديد، حركة، وغناء من جمهور لم يأتِ ليجلس في مقعده طوال السهرة واختار أن يكون واحدا من عناصر العرض.
أجيال مختلفة حضرت في المكان نفسه، من يعرف تلك الأغاني منذ سنوات، ومن يكتشفها، وربما يتعرف للمرة الأولى إلى آلات وإيقاعات وأزياء تنتمي إلى الذاكرة الشعبية التونسية.
وفي ذلك التعدد العمري معنى انتروبولوجي مهم وهو أن التراث لا يعيش إذا بقي محصورًا في جيل واحد.
حين يجتمع الجد والابن والحفيد حول الإيقاع نفسه، يصبح التراث سلسلة متصلة، لا صورة قديمة معلقة على جدار.
وفي خضم الاحتفال، احتفظ العرض بمساحة للوفاء، من خلال استحضار اسم الفنان الراحل صالح الفرزيط ، في لحظة لم تكن منفصلة عن روح المحفل.
فالاحتفاء بالتراث هو أيضًا احتفاء بمن حملوه، وبالفنانين الذين جعلوا من الموروث مادة فنية قابلة للحياة والاستمرار.
وكان تفاعل الجمهور مع هذه اللفتة مؤثرًا، لأن الذاكرة الفنية لا تختفي برحيل أصحابها وتبقى في الأصوات التي تأثرت بهم، وفي الجمهور الذي يحفظ أعمالهم، وفي الفنانين الذين يواصلون الطريق من النقطة التي تركوها.
كانت لحظة وفاء، لكنها في الوقت نفسه كانت لحظة تواصل بين أجيال الفن الشعبي.
وعرض “عشاق المحفل” كان مناسبة لعرض فيديو توثيقي أعدته وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية بعنوان “قرطاج حينما تروي الآثار أمجادها” لتدخل ذاكرة أخرى إلى المشهد.
ذاكرة قرطاج، بما تختزنه من آثار ومعمار وتاريخ وحضارات متعاقبة، كانت ذاكرة مادية تستعيد حضورها من خلال الصورة.
وإذا كان العرض يروي تونس من خلال الإنسان، والجسد، والصوت، والآلة والاحتفال، فإن الفيديو يرويها من خلال المكان والأثر.
ذاكرة محفوظة في الحجر، في مواجهة ذاكرة محفوظة في الإنسان، تقاطع ولد حوار جميل بين شكلين من أشكال التراث.
وأما الفيديو الثاني، فقد فتح نافذة على جزيرة جربة وتراثها، وعلى إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، حيث تراءت الجزيرة باعتبارها منظومة ثقافية متكاملة بمعمارها، وبيئتها، وطبيعتها، وعاداتها وتقاليدها، وأنماط الحياة التي تشكلت داخلها عبر الزمن.
في الصورة، ظهرت جربة بتفاصيلها المعمارية المميزة، ببيئتها وبعلاقتها بالبحر والأرض، وبذلك التوازن الذي صنع خصوصيتها.
وظهرت أيضًا في عادات أهلها، في طرق الاحتفال، في الأزياء، في الموسيقى، وفي أشكال التعبير التي انتقلت من جيل إلى جيل.
جربة ليست مكانا فقط، إنها طريقة في العيش، وهو ما يجعل الحوار مع قرطاج أكثر عمقًا.
فقرطاج تمثل ذاكرة المكان الأثري الذي بقي شاهدًا على حضارات كبرى، بينما تمثل جربة نموذجًا لذاكرة ثقافية تُعاش يوميا.
في مسرح قرطاج، التقت الذاكرتان، ذاكرة قرطاج التي تسكن الحجر، وذاكرة جربة التي تسكن تفاصيل الحياة.
الأولى تحفظ تاريخها في الأعمدة والمدرجات والآثار، والثانية تحفظ تاريخها في البيوت والملابس والطقوس والأغاني والعادات، وبينهما جاء “عشاق المحفل” ليؤكد أن التراث يحيا بحفظه.